إبداعثقافة وفنون

(مهداد…حب)*..أو (تعجبني السيوف بچف السباع..يحمّرها الخجل لو ما لگت دم)!

              ـــــ بقلم: أ.د.مزهر الخفاجي ـــــ

     لم تكن عينا نمير عاطلة عن العمل فالمقاتل كانت عيناه تتربصان بعدوه الكامن خلف موضعه … ونمير الحبيب كان يقلب عينيه نحو هاتفه الجوال وهو يقرأ رسائل حبيبته (مياسه) مدرسة العربي في اطراف مدينته الشعبية حين تعرف عليها وهو يأخذ ابن اخته الغائب عن الدوام والمتسرّب معه في أحيان كثيرة

قالت له حبيبته مدرسة اللغه العربية حين برّر غيابه بلهاث أهله نحو استحصال رزقهم … فكانت مياسه بكامل بلاغتها تقول له إسمع اخي كلنا (نسعى ) في استحصال ارزاقنا ولسنا نلهث .. لإن في اللهاث وصفاً يغيّر معنى الخير في العمل الى معنى يجعلنا –حاشاك- كالحيوانات أو كأننا عبيدٌ نتوسّل سيدنا الرزق، فكلمة السعي أبلغُ وأرقُّ وأكثر كياسة واكثر صدقاً، أما اللهاث فأخشن وأكثر تعسفا.  

ودّعَ نمير هاجسَ حوارهِ المتبتّل مع مياسه واستفاق على أزيز أصوات اطلاق النار من الشمال ..

 حتى أطلَ رفيق سلاحه خضر  من خلف منظار دبابته .. ليَصْليَ خصومه من (المجرمين) بما جادت به رشاشة دبابته

فترنّمَ بوجع الغيور وترافقت صليات اطلاقات مدفعه مع بيت شعرٍ هدر بهِ وبلا وعي …يخاطب به أعداءه ويشيّمَ روحه :

ومن يفقترْ فيها يعشْ بحسامهِ

                             ومن يفتقرْ من سائر الناس يسألِ

وإنّا لنلهو بالسيوف كما لهت

                             عروسٌ بعقدٍ أو سخابِ”1″ قرنفل ِ

ما إنْ اشتدّ رمي العدو في الطرف الآخر ..حتى طلب صديقه ماجد والقَدّاح المرافق لدبابة نمير ..

وطلب ماجد من نمير ان يترك مهداد الشوق ليركز في مهداد المعركة بعد ان رآه يسرح وقال له ايها الساعي او اللاهث رفقاً بنا فالارهاب بدأ يقترب وصاحبي يقول حين تقرر ان تحيي نفسك وأهلك لا تضع قلبك حاجزاً بينهما..اضرب ولا تلتفت وراء قلبك

فضحك نمير وقال لماجد أبشر صاحبتي (الطرمة) ويقصد الدبابة لم تغب بعد وعيني لم تزغ ولم تفقدها وان اخذتني الحسبات الى هناك حيث رائحة المسك.

ماجد وبعد ان خرج من فتحة الدبابة كي يحصد ببندقيته الجرذان التي تكاثرت على دبابته يمسك بها ويبدأ بضربات المدفع الرشاش الدبابة فما كان من ماجد ابن الغربية الا ان يشجع صاحبه الذي درعم بالرشاش كي يحمي الجهة اليمنى من رعيل الدبابات فخاطبه

حي الله ابن الملحة وأردف راجزاً :

يعجبني الجرح لو لاگه شمات

يلم نفسه بحيث يبين ألتم

وتعجبني السيوف بچف السباع

يحمّرها الخجل لو ما لگت دم

ما بين صلية رشاش وأخرى والكلام مازال للرامي ماجد كنت اخاف على نمير  فقد اختلط بين غضبه التعالي وانفعاله المفرط حتى وصل الى حد القطيعه مع الوجود في عالم احتدم به القتال فالرجل المقاتل كان مكشوفاً للعدو لا خوذة ولا درعاً واقياً في مقعده المحمي في مقدمة الدبابة

فصحت بأعلى صوتي : نمير ..نمير ..لم أجد منه اي استجابه سوى ابتسامة شرسة ويدين قابضتين على مدفع رشاش بقوة وبأس شديد وجسد يميل مع تقدم أعدائه اليه …ليخاطب عدوه المجهول بما يخرج من فمه وما إنْ يرمي الرشقة…يقذف الكلام متعمداً

وجّاه ..

كانون المراجل غيض

وجّاه

ولا غنتب اعله الجهب

والجَاه

ابد ما دوّرت علمال  

والجاه

الموت اعتازني ودوّر عليه

ماجد وهو يتابع صاحبَه، يدرعم على العدو ولسان حاله يقول ؛

اليوم سنموت باكفانٍ  تتحقق مبتغانا

فأنا الخالدون بكل نصرٍ

والا فالشهادة هي مُنانا

فما كان مني والكلام لماجد الا ان يعزز غيرة هذا البطل مرة مهوّناً عليه كي يهدأ من غضبه الجسور واخرى عاملاً على ملْءِ شاجور ثنائية رشاشه بالاطلاقات النارية وما بين ان اشاركه اهازيجه واخرى اخذت دوري في الهوسة

فاختلطت هوساتي مع ازيز الرصاص وصوت المدفع والرمي المقابل وصرخت :

سبع يا انمار وتروط …الزلم منه

سبع يا انمار وتروط الزلم منه ..

 ورغم طول المواجهة لم يبدُ على صاحبي نمير التعب وابتسامته العريضة اربكتني حتى أخذني الشك مرة ان صاحبي انقطع عن التفكير وصاحبته نوبة (جنون) لكن ما إن يمرر الي نظره طالباً امداده حاوية على عتاد والمزيد من الطلق ويطلب مني ان اهوس ..قائلاً لي (مجيد) مو يكول عمك كلكامش انا البطل لا اخاف ولا اتردد ولا اذعر …اخوي اثبت، الركب الراس ياخذه ..ولك هذه ارض الرافدين ولن ينجسها احد وانمير بن هاتو موجود والله لن اعطيهم الفرصه

من بعيد قنص احد المجرمين (نمير ) باطلاقة مسمومة فترنح كثيراً وحضن الأرض فما كان من اصدقائه ماجد وخضر ورعيل الدبابات المرافق له … يخرجون من طواقم دباباتهم مهرولين نحو جثته الكريمة وقد علا ملابسه الدم، فوجدوه وهو يرتل آخر قصيدة حفظها والتي تقول :

يحلالي العتب يا وطن وياك

                             لان بس الاحبهم عاتبتهم

تدري شكد احبنّك واهواك

                             بكد ناسك الفقره العذبتهم

من صغري گالوا اطلع تره يأذيك

                             صدك اذيتني بحبك مافدتني

حلموا بيه اكرهك ياوطن يوم

                             ولان حلموا اكرهك گاومتهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

“1”: سخاب قرنفل، أي قلادة قرنفل.

*(مهداد..حب)، أصل عنوان أستاذنا الصديق العزيز الدكتور مزهر الخفاجي.   

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى