تحليل استقصائيتحليلات

الرئيس الصح في الزمن الخطأ(3)..”بوح” السياسي العراقي رجب عبد المجيد!

ـــــــ بقلم: الدكتور جعفر المظفر ـــــــ

    أنا أعرف المرحوم رجب عبدالمجيد إلى الدرجة التي أستطيع أن أؤكد فيها أنه كان يتحلى بالصدق والنزاهة والأمانة والوطنية, ولقد تعرفت به عن طريق إحدى طالباتي المحترمات, فالرجل كان زوج خالتها, وقد جاءت به قبل سنوات إلى عيادتي طلبا لمعالجة أسنانه, وقد ثوثقت علاقتي به إلى الدرجة التي سمحت لي بزيارته عدة مرات في بيته أو اللقاء معه في المسبح المغلق لنادي الصيد, ولذلك كان يتحدث معي بالمرتاح لأنه يعرف إهتماماتي السياسية ويعرف إنني لم أعد في حزب البعث.
     ويبدو أن الرجل لم يكن مرتاحا وهو يخفي ذلك السر الكبير فأراد البوح به لرجل يثق به ويقدره, خاصة وقد عُرِف عنه أنه أفضل من أن يتحدث عن تاريخ العراق السياسي في الفترات التي شملت النظام الملكي ثم الثورة ضده ثم الإنقلاب البعثي على حكم عبدالكريم قاسم ثم حكم الأخوين عبدالسلام وعبدالرحمن محمد عارف.
رشفته الأخيرة من الشاي تلاها قوله : زارني النايف في اليوم الثاني بناء على طلبي. كانت الجملة الوحيدة التي أخبرته بها هي عبارة عن وصية وقد قلت له فيها : يا إبن خالتي, أنت تعرف البكر, وأنا أعرفه أفضل منك, هذا رجل ثعلب يأخذك إلى الغابة ليشغل بك الأسد حتى يكون بإمكانه أن يحصل على الأرنب.
أجابني النايف, وهل تظنني لست على علم أو يقين بذلك. لكن في هذه المرة أنا الذي سوف أذهب به إلى أسد الغابة وأنا الذي سوف أعود ومعي الأرنب. أنا مضطر للتعاون مع البعثيين لأسباب متعددة أولها أن لهم أنصارهم المعتبرين داخل الجيش, كما أن المتقاعدين منهم من أمثال البكر وحردان وعماش ما زالوا مؤثرين جدا نظرا لتاريخهم السياسي ولثقلهم الجماهيري.
ولك أن تعلم أنني أنا الذي سوق يقود (الإنقلاب الثاني) ضد فريق البكر, وإنني لن أسمح لهم بالإستمرار ويكفيني أن أرتب الجبهة الداخلية بمساعدتهم حتى أتخلص منهم. كما وأريدك أن تعلم أن طبيعة الرئيس عارف وميله إلى السلم والتعايش والمهادنة سوف تطيح برؤوسنا جميعا.


     إن إنقلابي ضد الرئيس عارف, وأنا حارس أمنه, لا يأتي إنسجاما مع ميول غادرة أو طمع في منصب, فالكل يعرف أننا الثلاثة, سعدون غيدان وإبراهيم الداوود وأنا, هم من يصنع الملوك وان الرئيس لا يخالف لنا أمراً, غير أن الكل بات يطمع بان يزيح الرئيس عن الحكم ليجلس محله, والحرب الباردة بين السوفيت والأمريكان هي على أشدها, وإن أمريكا لن تسمح أن يقع العراق العظيم الأهمية في أحضان الإتحاد السوفيتي لذلك فهي ستدعم أصحابها وستذهب لتحريكهم وتشجيعهم على الإنقلاب.
    وقبل أن أغادر دار (أبو محمد) بعد أن أخذت آخر رشفة شاي قال جملته الأخيرة : أخبرت النايف إنني لم أعد, لا من حيث العمر ولا من حيث الصحة, قادرا على المشاركة في سباق الثعلب والأسد. وقد كان ذلك آخر لقاء بيني وبين إبن خالتي النايف.
     أما أنا فأستطيع أن ألخص الأمر كالتالي .. لقد كانت حال العراق أشبه ببركان على وشك الإنفجار وقد أسرع تحاف البكر والنايف للإطاحة بالرئيس الطيب عبدالرحمن عارف قبل أن يطيح به الآخرون. إذ لا يكفي أن يكون القائد طيبا لكي يكون ناجحا بل أن عليه أن يكون قويا عادلا وحاسما.
في فترة الحرب العالمية الباردة غير مسموح لبلد عظيم الأهمية الإستراتيجية أن يكون رئيسه طيبا, الرئيس الطيب في حالة كهذه هو رئيس ضعيف, وهو رئيس ميت لا محالة.
      أيقن حراس الرئيس الثلاثة أن رؤوسهم قد يُطاح بها نتيجة لطيبة رئيسهم وإتفقوا على أن إخراجه من الحكم هو الحل لكل الإرباكات التي كان يمر بها العراق يوم كان البلد يفتش عن حل سريع وحازم لأزماته السياسية المتلاحقة.
البعثيون لعبوا نفس اللعبة التي كان يلعبها النايف, أن يأخذوا الثعلب إلى الأسد ويتركوه ليأكله ثم يعودوا بعد أن يحصلوا على الأرنب. قبلها أكدوا للنايف أن لهم اليد الطولى في الشارع العراقي فإستعرضوا قوتهم بداية عام 1968 في مظاهرة إمتدت على أكثر من نصف شارع الرشيد وسار في مقدمتها البكر نفسه, بينما راح التحالف الشيوعي البعثوسوري مع مجموعة الكرستاني يستعرضون قوتهم عن طريق الإضراب الذي دعوا إليه على صعيد جامعة بغداد أولا على أن يمتد بعدها لكل مدارس العراق, وقد نجح الإضراب بالفعل رغم مقاومة بعثي البكر ضده, وصار يبشر بنهاية الحكم على طريقة الأضراب الطلابي الذي مهد للقضاء على نظام عبدالكريم قاسم.
في الحزب الثوري, وفي بلد يعج ويحتدم بالمناورات السياسية مثل العراق, فإن قيادة هذا الحزب لا بد وأن تشتغل بالسياسة. وأجزم أن لا وجود للسياسة هنا خارج مساحة الميكافيلية. الميكافيلية لم يخترعها ميكافيلي بل سبقه إليها أقوام من ضمنها المسلمون حينما كانت بعض فتاويهم تقول (الضرورات تبيح المحضورات) و (الحرب لعبة) و (يكيدون كيدا ونكيد كيدا) وهذا يعني بكل تأكيد أن لا تضاد بين الميكافيلية والأخلاق لأن الميكافيلية في الأصل هي حالة ضرورة تنتهي بإنتهاء الحالة التي أوجبتها.
في الحزب الثوري, القيادة في الغالب هي ميكافيلية بهذا المعنى, أما القواعد, فلبعدها عن ساحة المناورات السياسية, فهي غالبا ما تكون عقائدية صُلْبة, لذلك فهي تفهم الميكافيلية على أنها خروجا منبوذا عن القواعد الأخلاقية للحزب الثوري وعقيدته المثالية.
في السابع عشر من تموز, بعد أن أفاق البعثيون على حقيقة تحالف قيادتهم مع عبدالرزاق النايف فقد حسبوها بالمسطرة العقائدية بينما كانت قيادتهم قد حسمتها بالمسطرة الميكافيلية.
    وفي يوم الثلاثين من تموز, وبعد أن تخلصوا من النايف فرحت القاعدة الحزبية لبعثي عفلق وكأنها ضمنت إنتصار العقيدة على الميكافيليا.
     غير أن قيادتهم التي أنهت لتوها تسليم الثعلب للأسد والتي صارت في مواجهة بناء الدولة كان لها رأي آخر بالحكاية التي تجمع بين العقيدة والسياسة, وستتكرر معهم ذات الحكاية مع النايف يوم يسلمهم صدام لأسد الغابة لغرض أن يعود وحده بالأرنب……………….(انتهى)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى