إبداعثقافة وفنون

شعرية الوهم والهذيان وطيف التمرد في رواية ” خِلوّ”

                     ــــــــ بقلم: د. حسين حمزة الجبوري ـــــــــ  

..الانتهاء الوجودي  ”  الموت ”   في استهلال رواية ” خِلوّ ” يثيرالكثير من  الأسئلة لما يحمله الموت من نزاع  أزلي بين الإنسان ، و القدر .. وقد عجز الموجود البشري في تفسيره وصدّه ، فكان  ضيفا ثقيلا عليه ،وهو ثيمة أصيلة  في هذا الوجود ، أما ” القتل ” فهو الصورة الأكثر بشاعة  من صور الموت الذي يقوم بحسب –هيغل –على الرغبة ” بالاعتراف ”  أي رغبة الإنسان بتفوقه على الإنسان الآخر  ، وحقه  في السيادة،  وضرورة أن يعترف  الآخر بهذا التفوق  ، وهذا ما يرفضه  الخصم  الآخر ، فهو يريد أن يعترف به المقابل  بتفوقه هو لا بتفوق خصمه ، هذه الثنائية خلقت الخصومة البشرية ، وقادت  إلى  أول صراع  في التاريخ ، فكل  موجود يصارع خصمه الآخر  ويرغب بالاعتراف به لا غيره .

وماتزال هذه الثنائية  قائمة ، منها  قائم على التفوق العرقي ” حضارة العرق الأبيض ، وسيادته الكونية ” أو” المركزية الغربية”، أوالصراع  ” بين الغني والفقير ” ، أو” التنافس بين الموجود والوجود ” فهي رغبة  تمثل جزءا أصيلا من الكينونة الإنسانيةفمن  ينتصر  منهما  في الصراع صار سيدا ، ومن خاف الموت  صار عبدا ؛ وهو صراع  يمثّل  ( بالضبط النور الأول للحرية الإنسانية )– بحسب هيغل -فوكوياما/   نهاية التاريخ والإنسان الأخير : 27  وهذا ما يذهب إليه نيتشه أيضا . وهذه الرواية  تواجهنا منذ الاستهلال  ” بالقتل ” لتكشف عن عالم  الانتهاء ، والنهايات ، ولكنّ كلّما توغلنا في الحدث تبيّن لنا أن هناك حياة أخرى بعد الموت وهي لحظة الخلود ، والبقاء لاسيما عندما يحمل الموجود هدفا ساميا ونبيلا ، وقد مثلّت شخصية ” حاتم الديو ” هذا الخلود ،  فهو يمثل طيف  التمرد الأزلي  على الظلم  والقمع والظلم / منها مثلا ثورة سبارتكوس / وقدكانت جريمة القتل  الأولى في الرواية ” فردية “، ومثلت الحدثالأول فيها / قتل ” حاتم الديّو ” / وجاء هذا الخبر الاستهلالي  بأسطر معدودات لا تتجاوز ستة أسطر … وهو حدث واقعي  ، بحسب ” زعم ”  السارد ، ونتبيّنبعد ذلك من هذه الأسطر الستة ،إنها كانت مركزالهذا الكون السردي الذي يبنى عليه الحدث الروائي كله ، بما في ذلك  من تجارب مؤلمة ،وتضحيات كبيرة ؛وجاء هذا المشهد في صورة  بناء  مشهد سينمائي ، ركزت فيه الكاميرا / ” بؤرتها ” / على الطفل “نوفل ”  شقيق السارد – ينظر الرواية : 5 –  وكان هذا  السارد ، سارداممسرحا ،ويأخذ دورا فعالا في السرد  بحسب مونيكا فلودرنك- : ينظر مدخل إلى علم السرد : 50 -51 – .

و صورة  الموت هذه  هي  الحدث الأول – كما قلنا – وقدأصبحت بؤرة الحدث  ، بامتداد زمنه المتعدد الطبقات،والمتداخل مع بعضه على نحو كبير، و بدا فك تداخله  صعبا ، ليحمل هذا الأمر بعدا سيمائيا ، متعدد الوجوه، والدلالات لاسيما وأن هناك شكوكا سوف تثار إزاء هذا الحدث ، وصحته ، من السارد الذي كان يستمع إلى  رواة آخرين غير أخيه نوفل  عن  الحدث نفسه ، ولكن في أزمان أخرى ، ومتباعدة ،  في  زمن الهيجان الشعبي الكبير ، ومن ثم يبدو الشك في صحة ما رواه نوفل واضحا ؛ وأن صدق  لتبرز  هنا احتمالات مختلفة ، وصورا متعددة لهذا القتل ، وما نقله السارد من رواته – فيما بعد – مما يجعل الزمن الحاضر ” الاستهلالي ” وكأنه زمن الأزمان الشعرية ” كلّها ”  في الرواية، فيتقدم بالحدث إلى الأمام ثم يعود دائريا إلى البدايات ، ويقودنا هذا  المشهد إلى ظاهرة أشد قسوة ، وأكثر أثارة ، وبشاعة من ظواهر الموت ، هيظاهرة  الحرب بين الدول ، وما فيها من قتل جماعي ،  لرغبة  الكائن/ الحاكم  ” بالاعتراف ”  بقوة دولته ، وشرعية  حكمه ، وبتفوقه هو، ودولته على غيرها من الدول ، أو في تفوق  شعبه على الشعوب الأخرى ،  يتم تسويغ هذه الحروب للأسباب شتى ،  منها ما هو ” ديني “كما يذهب إلى ذلك” كانط”الذي يقول إن الحرب 🙁  تخدم أهداف العناية الإلهية  )  – فوكوياما/ 37  – / الحروب الصليبية مثلا / ومنها ما هو قائم على ” موشورات ” مشوهة في ذهنية تلك الشعوب إزاء بعضها ، أو قائمة على بضع أفكار موروثة متخلفة ، أو بضع أحكام مسبقة قديمة العهد أو بضعة تصورات ساذجة لاسيما بين الشعوب المتعددة الأصول ،والأعراق التي تعيش جنبا إلى جنب: –  ينظر ” اختلال العالم ” : 205 / وقد شارك ” حاتم الديو ” في حفلة الموت الجماعيتلك في  الحرب بين البلدين الجارين ” بلده ، والبلد المجاور “وكان الديوقد رفض هذه الحرب تماما ، لأنها  قامت على تشوهات فكرية ساذجة ، وأفكار موروثة أكثر سذاجة ؛ليتشكّل في هذا الإطار عالما لا عقلانيا ” فوق – الطبيعي ” أو حدثا  ” فانتاستيكيا “لما تحمله  مشاهد الموت من ظواهر عجائبية ، افضت إلى تشوش عقل” حاتم ” و ما يبثه من تصورات ، وأحلام ، وما يلّفظه من تفوهات ،و خطابات  متوهمة  ، وحكايات لا ضابط لها،وهذا التشوش ، والاضطراب يتسق مع العالم العجائبي ، والاسطوري ، والغرائبي : – ينظر : اختلاق الميثولوجيا : مارسيل ديتيان : مقدمة المترجم : 10/ ومن ثم بدا التوهم ، والهذيان ، والهذر اللساني ضرورة ، لبناء الحدث السردي ليستطيع  هذا التوهم من احتواء هذا العالم المتعدد الصور والأحداث ،والذي يجري في أماكن مختلفة ،وأزمنة متنوعة ،وبدت  صور الحدث / ” فوق – طبيعي” /  تتراوح بين الحقيقة التاريخية أو الواقع من جهة،و بين الاختلاق الشعري المتخيل لهذا الحدث  من جهة أخرى،فهناك حدث تاريخي  عرفناه جميعا ” وشهدناه ” /” الحرب ” /  على سعة زمن هذاالحدث ، وما جرى فيها من أحداثشارك  في بعضها  الجندي ” حاتم الديّو “بما في هذا الحدث التاريخي من  اتساع  بيّن  مصائر إنسانية مختلفة التوجه ، والنوايا ، والمقاصد ، وأدى ذلك إلى تدوير الزمن ،واختلاطه ، وتداخله على نحو  عنيف وواسع ليشمل السرد كله ، وهو زمن مضطرب ، ليخدم من خلاله ” إشكاليات ” هذا الحدث / الحرب / وتعدده   : / ينظر على سبيل المثال عن تداخل  زمن  الراوية من 142- 207/  ولهذا  فارقت هذه الرواية  أساليب السرد” الخطية الزمنية ”  في الروايةالكلاسية،بما في ذلك الرواية  التاريخية ، مع أن رواية ” خِلوّ ” ظلّت تحمل أرثا أدبيا في  سرديات التاريخ الروائي والملحمي ، وفي بناء زمن السرد ،وبنيته الشعرية ،إذ إن سردية الاضطراب تمثلتها  السردية الكلاسية أيضا ، ولكن بزمن أحادي/ خطي   ؛  على العكس مما جرى في هذه الرواية التي اختطت  لنفسها مجالا شعريا آخر في بناء الزمن ، ونعني أن هذه ” الخطاطة ” السردية ، تبنت الزمن المتداخل ، والمتعدد ،لأن الزمن الخطي لا يستطيع احتواء  احدث  الرواية  ، بما فيها من  توهمكبير ، وهذيان واسع جعل ” الاستيهامات” تهيمن  على هذا  السرد، وتستقل بنفسها ، بل تصبح هي( صاحبة الأمر والنهي )  ومن ثم تحمل  رصيدا من المصداقية في توجه  سلوك الفرد ، والشخصية الروائية ، كما يقول فرويد : ينظر : – الهذيان والأحلام في الفن : 50 – ويمكننا  أن نقول أن تقنية  ” الهذيان”  كانت هي  الأسلوب  ” الوحيد “الذي يمكّن السرد من الإحاطة بالحدث، وبما يجري فيه من أحداث عظام ،وتجارب مروعة ، وفاجعة ،  ويُكشف من خلاله أسئلة المصيرالوجودي الفردي ، والجماعي  على أرض الواقع ،والمتخيل في بعده الملحمي ، وفي تشبيك ثقافي  متعدد من لغات مختلفة للطبقات الاجتماعية المختلفة ،فثمة عالم ظاهر يجري على أرض المعركة ، يقابله  عالم آخر غير مرئي يصغي فيه الموجود إلى ذاته ، ووعيه إزاءتلك الحرب ومعانيها ، وليطرح سؤال المصير الفردي ،والجماعي في آن معا – كما قلنا –فالجندي ” حاتم الديّو”  شهد هذاالحدث  الكبير ، وخبرهوشارك فيه ،  وقد تلبّسهالوهم، والهذيان جراء  أهوالها ، و وحشيتها  ،  فأضحى يتوهم أحداثا لم تقع أصلا لغرائبيتها ” الفوق – الطبيعية ، ولا عقلانيتها”فهي رحلة مزدوجة بثنائية متناقضة ما بين الحرب ، والموت من جهة ، وما بين الرغبة في السلام ، والأمن ، والحفاظ على الحياة ، وحياة  ، العائلة والزوجة  في الوطن من جهة أخرى، لتبدو   اسئلة المصير معاناة كبرى في حياته تشبه  – إلى حد ما –  رحلة عذاب ومعاناة  ” أوديسيوس – أو أوليس ”  في عودته إلى وطنه ” إيثاكا ” بعد نهاية حرب  طروادة..تلك الرحلة التي استمرت  سنوات من العذابات ،و مواجهة الموت ، ومن أحداث خرافية  أسطورية ، وعجائبية ، ومساحات زمنية طويلة ، ومكانية مختلفة، فهي تروي  أحداثا شهدها ” أوليس ”  وقاومها ، وأنتصر فيها ، لتبقى  شاهدا تاريخيا شعريا عن تجربة الحروب ،والموت ، والمصير الفردي ، والجماعي للشعوب كافة؛ و من ثم وضعت وجود” أوليس ”  الذاتي  الفردي في لجة سؤال المصيرالوجودي، كما وضعت كينونته في الاختبار السلوكي ، والذهني الذي بات فيه أقرب إلى الجنون ، وذلك في رغبته للوصول إلى زوجته التي ظلّت تنتظره ، مخلصة له طوال تلك السنين، وهذه الأحداث الأسطورية هي من تجليات  الملحمة، ومن أسسها الشعرية، بما في ذلك من  كسرٍ لأنساق الوعي ، والخطاب ، ولذلك بدت هذه الرواية /خلوّ /  تتشاكل مع  موضوعة هذه الملحمة،  في أهوال الحرب ، وفي مصائر الشخصيات ، أو لنقل  صارت الملحمة هي البنية الجوانية ” التناص ” في بناء الحدث الروائي ؛  من خلال” حاتم الديّو ” فهو يعيش  في عالمه عجائبي ، وخرافيأسطوري، وهو يبحث عن مصيره في إطار ثنائية الوعي الأسطوري التراثي الذي كان مهيمنا على عقله وثقافته ، ووعيه الحضاري بزمنه الحداثي  الذي تنشغل به الرواية أو كان همها الأيديولوجي ، وفي إطار هذا الكون الشعري العنيف لم  يستطع  وعي حاتم تحمل ما شاهده من أهوال  هذه الحرب  ، فحدث  الصدام بين وعيه الأسطوري ، ووعيه في زمنه الحاضر” العقلاني ” وهو صدام عنيف دون شك ، وظل الديّو  يتأرجح بينهما ،  فلجأ إلى الهذيان  والوهم ،والأحلام التي أربكت وعيه  ، و وعي المتلقي معه ، بما فرضته تلك الاحلام ،والتوهمات  من  ” سلطة الأمر والنهي ”  – بحسب فرويد – ،ومن ثم  ظل يطرح أسئلة وجودية ،لما في حاضره من بشاعة وعنف ،  ففي واحدة من المعارك  التي خاضها في جبهة القتال لم يبقَ/ في تلك المعركة / على قيد الحياة  إلا هو ،وآمر كتيبته فقط ،مما سبب  له” الاختلال ” في نظام عالمه الداخلي ، وشوه رؤيته للعالم الحداثي ، فبات الحلم سبيلا للعودة إلى العالم المألوف ،  أو محاولة لذلك ، أو تعديل المسار وعيه في اتجاه يقبله ، أويرضاه هو أولا ، مما جعل السارد يوظف  هذا ” الاختلال ” ليبني عالمه الروائي … لهذا كانت عناية السارد ضرورية ، بوجهة  النظر التعبيرية للرواية سواء أكانت في  ” الخلل ”  في نظام اللغة، ومنطقها، ونسقها ، وسياقها الحقيقي  ،وما تحمله من أبعاد اجتماعية ، وبين وجهاتالنظر الايديولوجية التقويمية ، أممن وجهة النظر السايكولوجية ، ووجهات  النظر الزمانية ،والمكانية ،والتوافق ، والاختلاف ، والصراع بين تلك الزوايا ، أووجهات النظر – بحسب مفاهيم ” أوسبنسكي “-  ليبرز عالما هائلا من الحلم، والهذيان ؛ وهذا الظهور لوجهات النظر المختلفة في الرواية توزع على المجتمع المحلي ” السكان  ، وشباب الهيجان “من جهة ، والسلطة ،  وخطاب الجندي “العدو ” ، ومجتمعه ، وسلطته من جهة أخرى ، ومن ثم بدتْ الزوايا المتعددة في بناء الحدث أو وجهات النظر مراهنة شعرية ، وثراء لابد من بناء دلالات عليه ليحمل أبعادا سيمائية ،واسئلة وجودية أزلية، وليبدو هذا التوهم استشرافا لما يحدث في المستقبل  من تمرد السكان على قمع السلطة: الراوية : 61، وفضح لرغبة  ” الاعتراف ”  بافتعال الحرب ، فكانت الأوهام ، وكأنّها” خداع  للحواس ” البشرية لكي يستطيع حاتم أن يوازن حياته ، ويطرح اسئلته عليها..- ينظر : مدخل إلى الأدب العجائبي : 50 وينظر : شعرية الرواية الفانتاستيكية : 61- . 

ومن ثم تم بناء الحدث بناءً” عجائبيا وغرائبيا”لاسيما وأن المتلقي يبقى هو الحكم الذي يميز بينهما من خلال قراءة خطاب( حاتم الديّو )  وتأويله ، ومعاينته بحسب العقل ،والمنطق ، والنسق اللغوي ،  والتجربة الشعرية الروائية المتخيلة ، ومن ثم يسعى إلى تأويل التجربة الحياتية  ، وبيان الرؤى ،والاحلام  بما فيها من انعدام للنظام  ،وهذا ما يؤكده السارد  سواء أكان  ذلك في  يقينية  ما يرويه الجندي ” حاتم ” مرّة ، أم فيما يثيره منشكٍ في هذه  الصدقية واليقينية مرة أخرى ؛ وهذا الشك  يتعدد في مساحات السرد كلّه أيضا ، مثله مثل اليقين ،يقول السارد المشارك : ( عمّي  أبو كريم ..شنو تلعب  علينا !! .. يبدو أنه يستوعب استنكاري ، إذ يبتسم ..لا عمّي لا ، ما ألعب  عليكم ..كل ما بالأمر أريد أعيّشكم ولو لدقائق  بنفس الحيرة ، والارتباك الي مرَّت بي لما قال لي أخوي ذاك الكلام ، فعلا حيرة وارتباك ..) – الرواية :150 –  هذه المراوحة بين الشك ، واليقين ، والصدق ،والتوهم ،كانت قد خلقت”اللامنطق ” والفوضى  في العالم ، إذْ إن الهذيان له رصيد ، ومصداقية تؤدي إلى توجه سلوك الفرد – كما يقول فرويد –  وسلوك سارده الذي يحاول أن يضبط العلاقة في هذه المراوحة ” الشك واليقين ” ” الصدقية ،والتوهم ”   مما يمكن تسويغه في إطار السردية التاريخية القائمة على الصراع الدرامي ، وقد استمرت هذه الأساليب السردية  لتشكّل  سردا متعدد الطبقات ، ومتعدد  الأصوات ؛  على الرغم  من أن  ” الضرورة  البنائية ”  تقتضي أن تكون ” الأصوات المتعددة ”  متباينة ،ومختلفةمع بعضها ، وأن تتصارع  فيما بينها ، أو أن  لا  تتفق  بحسب ” باختين ” ولهذا يسميه إدوارد سعيد ” الطباق ” المأخوذ من الموسيقى في تعدد الأصوات ولكن لا غالب لصوت على الصوت  الأخر ، فالرواية كما يرى باختين ( هي التنوع الاجتماعي للّغات ، وأحيانا للّغات ، والأصوات الفردية ،تنوعا منظمَّا أدبيّاً ) . ومع أن هذه الأصوات  تخبرنا ” الخبر ”  عن مصير الديّو، وأنها كانت متفقة على قتله ، ولك يكن هناك  صوت يعلو على الصوت الآخر، فثمة صوت نوفل والسارد ،واليعسوب ونشمية ثم ضرغام ، وكلها لها استقلاليتها كما  في  زمنقتل حاتم،فثمة تباين  ،  إلا أنها جميعا تتفق على هذا حادثة القتل ، بل و تتعاطف مع حاتم في كل مواقفه ، وهذه تمثل وجهة نظر أيديولوجية ” تقويمية ” واحدة  في كرهها للسلطة ، وقمعها أيضا . فأخبار، ومروياته أحمد اليعسوب ، ونشمية الخبازة – مثلا -عن مصيره ، تكاد تكون متفقة ، ولكنها كانت مختلفة مع رواية ” فريد ” شقيق السارد في الاستهلال ، والذي أصبح في زمن الهيجان رجلا ، وقد تزوج ، وصارت له عائلته ، فثمة فارق زمني بين قتل حاتم بحسب رواية  الشاهد الأول ” نوفل ” يوم كان عمرهأربع سنوات ، وبين رواية الشاهد الثاني  أحمد اليعسوب ، و كذلك الشاهد الثالث نشمية الخبازة  ، أثناء الهيجان الكبير ، و في تأكيدهما مشاركة حاتم الديو أو ” أبو كريم  أو ”  أبن محلتي أو محلتك”، أو ” الشيخ السبعيني” بحسب تسميات رواة الخبر في الهيجان ،ولكن السارد كان يشكك في خبر مشاركة الديو في ذلك الحدث  ،مع أنه  يرى أن ذاك الرجل السبعيني يمكن أن تنطبق عليه مواصفات  حاتم الديو ، مع بقاء  الشك قائما ، فهو يظل يتساءل كيف شارك حاتم في الهيجان ، وكان قد قتل قبل ذلك بزمن طويل يسبق هذا الحدث – بحسب رواية شقيقه نوفل –وقد حملت الأصوات  تنوعا اجتماعيا  وثقافيا – في الأقل – مع خطاب السارد ،وخطاب المثقفين كما كان يكرر اليعسوب ” لطشتها من لغة المثقفين ” و نجد اختلافا  بيّنا واضحا بين صوت السكان / الشعب ، وخطابهم الظاهر في السرد ، وخطاب السلطة  المتضمن أو المضمرفي خطاب السكان / اليعسوب ونشمية وضرغام والسارد / من خلال “أسلبة ”  هذا الخطاب ، ووجهات نظر السلطة في خطابهم– بحسب باختين – .وعندها نستطيع أن  نتسلل  إلى خطاب السلطة  من خلال  خطاب  السارد ، وصوته؛وما نعرفه عن ” الكائنات الكونية آكلة للحوم البشر ”  بحسب تسمية اليعسوب ، وكذلك نتعرّف على أصوات الشعب في البلد الآخر الجار ” العدو ” ، وصوت السلطة هناك ، والتباين بينها، وبينالشعب في السلوك والفكر ،والموقف من الحرب مثلا ” في شربهم للخمر/ حاتم والجندي ” العدو ” ، وفي رقصهم مع النساء ” الهلوات ” والغناء معهن ” وهو سلوكيتباين  ، ومفاهيم السلطة الدينية الحاكمة هناك ، ونتعرّف كذلك على موقف الشعب الآخر من الحرب، فهو يشبه  موقف شعب الجندي ” حاتم الديو” وخطابة  حد  التطابق ( هكذا كانوا يصرخون ، وهم يطرقون بقبضاتهم ، وأعقاب مشاعلهم على الباب الرئيس للمبنى . نحن نريد إطفاء نار الحرب ، وأنتم تشعلونها من جديد …) الرواية : 147، على الرغم من أن هذا الخطاب كان في الحقيقة  جزءا من توهماتحاتم  ، وأحلامه ، وليس خطابا حقيقيا ، فهو من صنع حاتم وعقله الباطن  ،  فهو لم يقع في الاسر يوما ، ولكنه سجن لسنوات في بلده،وليتبيّن  لنا أن خطاب الشعب الآخر، واختلافه مع سلطاته  الذي جاء  بصوت الديو، إنما هو ” أختلاق ”  و هذيانيكمن في وعيه / حاتم / لا غير ، وما يتخيله هو عن الشعب الآخر ، فهو افتراض إنساني يرى أن كل الشعوب لا تريد الحرب ،وهو استنتاج  يتمناه” حاتم ” من الآخرين ، ويتمنىان يرفض ذاك الشعب  “الآخر ” الحرب، وكذلك الجندي “العدو ” المقابل له ، بل أنه افترض  أو توهم أنهما أصبحا صديقين في ” السديم ” أو في الفردوس الأعلى فهما من المظلومين في البلدين الجارين   ،من هنا تبدوأن لعبة حاتم ، وهذيانه مكّنت السارد  من بيان ما تحمله تلك الأصوات ، من قيم  ، ووجهات نظر أسلوبية  تعبيرية ،وأيديولوجية تقويمية  مختلفة ،بما فيها من أبعاد إنسانية،  مع أنها كانت افتراضية ، وتوهم ،إذ  ( إن سرديات الجماعة أدوات تكوِّن واقع الجماعة ، وتكوِّن ، في الوقت ذاته ، طريقة تفكير كل عضو .)  فيها . – : السرد والهوية :220 –  وفي إطار  أسلوبية الهذيان المهيمنة على السرد كله ، كان خطاب الشاهدين اليعسوب ،ونشمية  الخبازة بارزا ، وهما يرويان حكايات حاتم وبطولاته ، وخطابه ، و معه خطاب الشباب وبطولاتهم ، ووجهات  نظرهم التقويمية عن الهيجان الذي يُظهر أن الجميع / الشعب / كانوا رافضين للحرب  لدمارها ،و جاء في خطابات “الهذيان ، والوهم ”  اخبار موت حاتم  من الشاهدين أحمداليعسوب ، ونشمية ، والسارد الذي كان يشكك مرة ، ويبحث ، ويفسر ويؤول  مراتأخرى ، مع أن هناكحكايات حقيقية عن تاريخ  الهيجان  وقدصيغت بصياغة شعرية  تخيلية – دون شك – ، وقد كان السارد  شخصية مشاركة في الحدث ،لأنه كان  يروي  الحكايات من أفواه  الشعب ، و”بضمير المتكلم  ” فينقل مرويات الآخرين من خلال صوتهم ، وبأسلوب السارد نفسه  ؛ ستانزل يقول  عن  سمات هذا الراوي /  المتكلم /  أنه يكون  مرسوما (  بتفصيل معتبر ، إلى درجة إعطاء وصف لمظهره الجسدي . يأخذ مثلا الراوي دورا فعّالا في القصة . يجلس إلى طاولته ….)  – : مدخل إلى علم السرد: مونيكا فلوُدرنك : 50 – وهناك متلق له رؤية خارجية، وهي في المحصلة  تمثل الجماعة أو الشعب ، فالسارد ينقل ، ويصنع، وينظم الحدث ، ويتيح لهذه الشخصية الحديث ، ويسمح لتلك بالفعل ، والمشاركة في العراك أو في الحدث ،وهنا تبدو المصداقية ، والثقة ، والشك ، وربما السخرية من السارد على توهماتحاتم ،وهذرهواضحة ،  ومحل نظر ، على الرغم من تعاطفه معه الذي حوّل الحدث إلى بعده الأسطوري ، فالأعمال الشخصية  ( كلّها أساطير بالقوة ، ولكن تبنّيها على الصعيد الجماعي هو الذي يحدد بعدها الأسطوري ) – : اختلاق الميثولوجيا : 126.- وهذا ما يتقبله المتلقي لإدراكه أن ما يروى له ،  إنما هو تخليق شعري له شرعيته  ، وقد تقبل  وعيه، هذا الأسلوب السردي، وتقبل وعي  “حاتم الديّو ”  أيضا ، وقبلَبالهذر ، والهذيان،وصار الجندي حاتم والمتلقي الخارجي وكأنهما يمثلان وعيا واحدا أو صوتا واحد ، ولهما هدف واحد في رفض الحرب  “لعبثيتها ” في النهاية ، ومَنْ ثم فأن قبول الحدث السردي من المتلقي ، كان قد صنع عالما  يتبنى الثورة ، ويتبنى الرفض ،والمقاومة على الرغم من أن التفوهات اللغوية، كانت  تعاني من ” اختلال ” إلا أنها كان لها قبول في إطار  النسق ” المفهومي “العام للسرد التمثيلي  ؛ لأن النسق ( هو نتاج ذاتي ، وهو إذن ليس مجرد تطبيق بديهي ) / مدخل إلى نظرية الأنساق : 138 .وهكذا صنع السارد لعبة الشعريته المتوهمة  ، لأن المسك بالهذيان ، والاحلام ، وتأويلها تبدو مستحيلة –بحسب فرويد – لتتعدد المعاني  في تفسيرها ، ولتتعدد التأويلات لها، ومن ثم صارت هذه التوهمات،  والاحلام ، والهذيانات، “ثيمة “أسلوبية للحدث الروائي سواء أكان ذلك في النوم أم في غيبوبة العقل ” لاختلال ”  العالم المحيط به، أم في احلام اليقظة ،ومن ثم يصبح من  حقنا تأويل حلمنا كما نشاء  -كما يرى فرويد- / ينظر :الهذيانُ والأحلامُ في الفن :8- 9 / ، لأن الاحلام  ترتبط بالحالة النفسية، وما يشعر به الإنسان من ألم أو فرح.وقد ضغط الموت ، والحرب على  اللاوعي ، و شوهه ، وأدى إلى اضطرابالحالة النفسية للديو، وللسكان جميعا، بالصورة التي تمثّلّها السرد ، ونقلها ،جعل الجميع يعيش لحظة السؤال الأبدي  ما المصير ؟!! وهم يشعرون في تيه في عالم خرافي أسطوري ، من جهة وواقعي من جهة أخرى ، ومن ثم بدا طُرح السؤال المهم “ما العمل ” ضرورة فكرية ؟فكان الهيجان هو العمل الذي نقل الحدث إلى حدث جماعي ، وبوعي اسطوري ،وملحمي بطولي.  ” هل صدّقناه وإنْ  أقسم ؟ ..لماذا نكذّبه ؟ …” 8 . وكان السارد قد وضع نفسه موازيا للشخصيات وللرواة أيضا ،عندما يروي الحدث من خلال أسلوب”الأسلبة “فيعلّق ، ويؤول  أو يذكر حدثا يعيد السرد الى الوقع ويروي ما جرى على الأرض ،  ثم يعود إلى تشويش السرد عبر التوهم ” ليخلخل ”  الوعي  مرّة أخرى ،قصديا ، ليكسر انساق  التلفظ اللغوي ..فالسارد يخبرنا– مثلا –  أنه أضاف إلى  خطاب الديّو، وعلّق عليه ، واستطرد في متنه ،وكأنّه لم  يكنْ يسعى إلى ” تحريف ” خطاب الديّو، بل يريد الحفاظ على أن هذا ما تحدّث به حاتم فعلا، أو ما رواه ، أو ما أراده  هو ، على الرغم من أن تعديلات السارد لهذا الخطاب لغويا  ،اسلوبيا ، بدا مقبولا لما يشعر بههذا السارد من تعاطف مع “الديو ”  و إيمانه ، و احساسه ، أو حدسه بصدق ما يقوله حاتم فسمح لنفسه أن يكون بديلا في بعض المواقع ؛  لاسيما في قصور لغة الديو ” الشعبية ” التي  تتطلب التصحيح ، والتهذيب ، والدقة  لتتفاعل مع لغة السرد- مع أنها لعبة من السارد ” ميتاسرد – وقد حفر السارد هنا  في الوعي الفردي على  نحو  مزدوج  في وعي السارد نفسه ، بما يكشفه من  مصداقية ، وثقة من جهة ،أو منشكٍ، وارتيابٍ بما يقوله الجندي  حاتم من جهة أخرى  ، كما في رواية حاتم في أسره في بلد العدو ، وزواجه هناك من شمم ، / وقد أطلق عليها هذه الاسم  لأنه أسم  زوجة حاتم في وطنه ” أم كريم ” كان أسمها شمما  / فبدت الصورة ، وكأنها تمثل  ” حلولا” بالمصطلح الصوفي، سواء أكان ذلك في الحدث ، والشخصيات ، أم النساء والزوجات  ، ولكن يبقى الشك قائما في مشاركة حاتم الديّو في الهيجان ( أطرق قليلا ، ثم أصل مع نفسي إلى نتيجة مفادها أنَّ ذلك ممكن ، إذ إن الكثير الكثير من أقرانه كانوا شاركوا في كل جولات العِراك . أي ليس بالضرورة أن يكون هو حاتم الديو ) الرواية : 144. وكان أيضا يحفر السارد في  وعي المتلقي ، و في وعي شخصية الجندي ” العدو ” الذي لا نعرف أسمه لصعوبته – فهو أسم اعجمي  ” – كما يقول الديو-، ومع ذلك فأن السارد يقول أنه ” نظّم العمل ”   – وهذه من وظائف السارد كما تقول مونيكا فلودرنك  – :  ينظر :  المصدر السابق : 60 – . 

يقول السارد  هنا 🙁  أما أنا الذي أوكل لنفسه لم شتات هذه القصة المبعثرة …) 26  .. ويستمر قائلا 🙁 هذا هو فحوى ما قاله الديو، وليس تعبيره بالنص . حاتم الديو ، كما قلت ، بعيد عن صوغ التعابير ..هو وين وصوغ التعابير وين !! ) الرواية : 16 – إذن السارديمارس سلطته، ووظائفه  إلا أن هذه السلطة لم تكنْ سلطة مطلقة ، بل يوزع الأدوار ليشير إلى أنه هو صانع الخطاب السردي ، والعارف به ،  والمتفاعل معه، في تعليقاته مثلا على أحاديث حاتم الديو وخطابه ،وهو  يتمثل وعي حاتم المشوش ،بمعنى ان وجهة نظر السارد  تسمح للتداول الخطابي المتوهم في اقامة تداولية مع المتلقي ،وتلاقح ثقافي معه .. وهذه كلّها  تعبير عما في الشعرية من سلطان، ووقائع تعود في حقيقتها إلى اللغة وحدها،  لا إلى غيرها ؛  فالواقع  في الفن يكون الحسم فيه للخلق اللغوي بما في ذلك من توهم ،وتخريف وتخييل ” فاللغة  مسكن العالم ” بحسب هيدغر  ..وان تلمّسنا بعض من هذا الواقع وهذا ما يؤكده  د. منذر عياشي ..في ” الكتابة الثانية، وفاتحة المتعة ” :  فالكلام  ( – كما يقول القاضي عبدالجبار – دليل على ما يتضمن ”  وليس دليلا يأخذ مصداقيته من مرجعية تقع خارجه ) : 16 –  ومن ثم فأن هذه  المراوحة بين سطور السارد ، وما يرويه  عن الشخصيات ” بضمير الغائب ” تظهرالسيطرة البلاغية الكلامية  للسارد في رسم خريطة العالم الروائي الوهمي الذي ينشغل بنفسه ومن داخله ، وهي موازنة مهمة في لعبة السرد– كما قلنا – لهذا  ينتقل السارد في عالم الوهم من حدث  على أرض المعركة ، إلى حدث   آخر بعيد عنها ، لاسيما ما  جرى من تعارف ” افتراضي  ” في ” السديم الأعلى ” بين  حاتم ،والجندي ” العدو ” ، أو اللقاء  بين حاتم الديو -/ أو روحه / وبين ” روح ” صاحبه الجندي الآخر في الفردوس  الاعلى ” السديم ” . وبعد تعارفهما ” الافتراضي ” تبدلتْ علاقة العداء  بينهما إلى صداقة ،بل إلى أخوة-  كما يخبر حاتم مستمعيه بذلك -؛وأخيرافي انتقال حاتم الديو مع هذا الجندي ” العدو ”  إلى دياره– بلد العدو – شرق تلك البلاد قرب الجبال ، وبعيدا عن أرض المعركة  بكثير – وكأنّ الجندي الآخر / العدو، كان هو الآخر على رأي حاتم الديو، وموقفه في رفض الحرب ، وما يجري على الأرض. / وهما ينظران إلى الأرض من السديم الأعلى أو من السماء  / ،  وعندها ينتقل الديو ” هناك ” في موطن الجندي / العدو ، يحتفل الصديقان  هناك / افتراضيا كما يتوهم حاتم ذلك  /ليرقص  مع النساء الجميلات  ” الهلوات ”  ،ويشرب هو ،وصديقه من دنان الخمر من أيديهن.هذا الجندي ” العدو ” أو ” الصديق أو الأخ ” يدعو الديو للذهاب معه فيقول  : (  يروه هاتم مدينة أنا .. جبل فيه شجرات كسير ونهر كسير كسير ونساوينهِ لو كسير ..أنا يفهم هاتم أنا يفهم ..توكلات إلى الله ..أنا يروه وهاتم يروه ) 15  مع ان الديو لم يبرحْ مكانه  في بلده / ولم يبرح مكانه في   جبهة المعركة ، ولكن التوهم يجعل  من هذيانه سبيلا لهذه التجربة  ، في انه عاش تلك التجربة ” الهناك ” مع “أخيه ” الجندي العدو  ، ورقص معه ، وأحب شمم هناك ، و تزوجها  – :ىنظر : الرواية :102 وما بعدها – ..،  فهو عالم متوهم تماما يعيشه الديو، ويرويه ؛ مع أن السارد يشكك في هذا التوهم ،ولكنّه يتقبله ، ليترك للمتلقي التأويل ، وما يفترضه من صدقية أو شك ؛ إذ أن شخصية حاتم وهي ” كيان ورقي ” متخيل تنتج عالما متخيلا بالضرورة ، وهذا التخييل يرمز إلى الجندي المظلوم الذي يحارب دون إرادته ، فكان يعبر عن هذا الظلم النفسي ، والفكري من خلال ” التوهم ” ووجهة النظر اللغوية  التي لا ضابط  لها  ونعني هنا ” الاحلام  ”  على ما فيها من اضطراب وتداخل ، وهو ينتقل من مكان إلى آخر ومن زمن إلى آخر ،وكأنُه ينتقل عبر بساط طائر، وفي هذا يقول  “رينيهجيراو” في – كتابه الكذبة الرومانسية ، والحقيقة الروائية –  عن  تغيير الأمكنة ، والأزمنة في الرواية : إذ إن  الروائي يعيش في مخبرحقيقي لمراقبة الوقائع التاريخية والاجتماعية  ومن ثم فأن الرواية ما هي إلا ( هذا المخبر نفسه بقوة مضاعفة ، فيضِعُ فيها عناصر مختلفة هي معزولة بعضها عن بعض حتى في العالم الحديث ، فيقابلُ الريفَ بباريس ، والأرستقراطيين بالبرجوازيين ، وفرنسا بايطاليا  وحتى الحاضر بالماضي . فتدورُ أحداث متنوعة لها جميعا غاية واحدة ، وهدفها جميعا الإجابة عن السؤال الاساسي نفسه ..) : -149  – ولهذا يستمر السارد في ” خلوّ ”  على نهج  التنقل  بين الأمكنة  ، والأزمنه ،وفي  التوهم  في الحدث أو الأحداث  ، لنجد – مثلا – أحداثا متوهمةأخرى ” فوق – طبيعية” تلّف المدينة خوفا …ورعبا ..  تُظهر شكلّ المواجهة بين السكان من جهة ، واجهزة السلطة القمعية ،  في مرموز” كائنات فضائية أو كونية ” تحطّ على المدينة فتقتل سكانها، وتأكلهم ، وترمي عظامهم في الطرقات بحسب مرويات السكان، ويبدأ التخريف ، والتوهم ليأخذ طابعا آخر / وكأنّه فيلم رعب / و يترك السارد  للسكان رواية الأحداث المختلفة، والآراء المتعددة والتعليقات ، والتأويلات، المتباينة ، وكذلك في التنقلات الزمنية ، والمكانية ،وجميع هذه الأصوات  اسهمت في بناء تجربة اسطورية  مختلقة ، فكل واحد  من السكان يروي الحدث بحسب وعيه ،وثقافته لاسيما وان هناك أصواتا نسمعها ، ولا نعرفها ، وهذه  تكشف عن قدر كبير من الفكر الاسطوري التراثي عن القتلة والسلطة  ، فهؤلاء مخلوقات عجائبية ،وغريبة أختلف الناس فيها فباتت” حديث خرافة ” ،  عن صور تلك المخلوقات أو الكائنات الكونية فهل هم من النساء ،أممن الرجال ؟!! وهل هم عمالقة أم قصار القامة  … إلخ  من أسئلة ؟!!  وهكذا تتولى الحكايات التخريفية ، وكأنّها روايات  حقيقية، ولكنها في الحقيقة كانت  تتمة لهذيان  حاتم الديّو ، وتوهمه ( الواقع أني أقدّم هذه الترجمة الآن فقط ..أعني أن أثبت الوقائع الحادثة هذه الأيام حقيقة رؤياه التي أظهرنا عليها قبل سنين . لولا ذلك ما كنتُ  لأخذ على مجمل الجد مقدرته التي ادعاها في استحضار الزمن القادم ) الرواية :  40 وكأنّ الروايتين  / رواية حاتم ورواية السكان /  رواية واحدة تسند بعضها  في خروجها من عالم المعقول إلى  العالم العجائبي ، لتجدْ لكل منهما الشرعية السردية ،والرمزية ، وما تريده هذه السردية من رمزية تبشر بالقادم من الثورة ، والتمرد ، والهيجان  فهي تستشرف المستقبل – كما قلنا – وفقد قالها  حاتم الديو من قبل : ( أنّ الدنيا في بلدنا ستنقلب رأسا على عقب . اضطراب فوضى صياح صراخ عويل بالجملة حبس بالجملة ) 55 وقد حدث” الهيجان ”  الشعبي الكبير فعلا ، وأحسب أن السارد استخدم  مفردة ” الهيجان “على نحو دقيق بما يعبر عنه الحدث السردي ، وما يجري فيه من عجائبية ، فالهيجان   ( حركة ، اضطرابات في مختلف الاتجاهات ، اهتاج الناس ثاروا لضررٍ أو مشقه ..) أصابتهم ،  ومن ثم فأن هذه الاضطرابات كانت في كل الاتجاهات ،  جعلت السارد يحاول الامساك بها  من كل جوانبها أيضا وما كانت تفعله تلك الكائنات من  قتل ، واعتقالات، واختفاء للناس ،وملاحقة لهم ، لتفرخ المدينة من سكانها ، وتخلو منهم  ” خِلوّ ” 107،  و”الخلو ”  الذي أخذها السارد  أو نقلها من اليعسوب ، تعني ” الهزيمة ” التي أصابت السكان أمام رجال السلطة . :-  ينظر الراوية 181، فتنهب  فيها البنوك ، وتذهب الأموال إلى بلد بعيد خارج الحدود.: – ينظرالرواية : 59و 65 و69-  وقد أرسل الديّو أو ” أبن محلتي ” والشباب الثائر معه رسائل الى السكان تقول : ( ” بلدكم ينهب ” تلك هي رسالتهم الأولى . ثم ألحقوا بها مباشرة ، رسالة أخرى تستفيض قليلا ، لن يبقى لكم شيء منه ) الرواية :202 ثم تستمر الرسائل لتنبيه السكان ان السراق  جاءوا من البلد الآخر ، والذين في السلطة يدمرون البلد، وتتحدث الرسائل أيضا عن ( مجزرة كبيرة تقترفها الكائنات السود ، كائنات من البلاد البعيدة إيّاها تذبح أبناءكم .. الغوث ..الغوث ) – الرواية : 268- وكان  ” أبو هدى : أحمد رؤوف اليعسوب ”  قد استلم سردية الهيجان ، وما قام به أبن ” محلتي ” أو الشيخ السبعيني  – وكأنّه صار بديلا لحاتم الديوفي رواية  السرد ، والتوهم ، والهذيان ، أوتابعا له  يصدّق هو ، والسارد نبوءات حاتم  – لتتوالى  حكايات السكان  العجائبية ،من دون ذكر لأسمإلا أسم  “اليعسوب ” / في اللغة – يعسوب قومِه : رئيسهم وكبيرهم ومقدَّمُهُم…- /  و من ثم صوت نشمية الخبازة ، وهي الشاهد الثالث ،  وأخيرا الشاب الآخر ” ضرغام ”  طالب الهندسة 210 – 211 وما بعدها –  . وقد أكد الشهود  الثلاثة  على مشاركة ” أبو كريم ” في الهيجان فقد ظل يزود نشمية بالطحين ، والحطب ” لتصنع الخبز  ” وتوزعه على شباب الهيجان الثائر ،  وإلى المحتاجين من السكان. – ينظر : لرواية : 209- 211-مما يضفي شرعنة لصنعة التوهم ، وسرده لاستمراريته ، وكأنه أصبح حقيقة حين أمتزج مع وقائع الحدث التاريخي ” الهيجان “وامتداداته من بلد حاتم  إلى البلد المجاور طلبا للعون ، ولكنّهذا العون لم يصل أبدا إلا من خلال الكائنات السود التي فعلتْ ما فعلته الكائنات الكونية أو رجال السلطة من قبل …وبهذا السرد  أمسك بلعبته، وقد وجدنا أحداثا واقعية  هي القتل ،والنهب والسرقة ،والجوع  والاعتقالات ، والفراغ  وقت ( الهيجان ) والثورة ، والتمردأيضا    …أي ان  ” الهيجان ”  أصبح  فعلا سيمائيا شارك فيه الشباب والشيوخ ، ومنهم الشيخ السبعيني الذي لم  يُهزم ، وظل مع شبابه يقاتلون ، وواجه الموت بشجاعة ، وهو يصرخ بأعلى صوته أمام جلاديه ،  ولهذا كانت اخبارهذا الشيخ قد كشفت الأصوات المختلفة في روايتها ” الحدث  العجائبي ” ،  وما تفعله تلك الكائنات الفضائية الخرافية ، والكائنات السود لتقدم  حدثا يحمل دلالات الثنائية الضدية  والدرامية  بين السكان –و بين السلطة  …لتثبّت ما تنبأ به الديّو من قبل  ..  وهذا الحدث  يجعلنا نعود إلى الواقع مع أن الحدث  الذي  يتسق مع مجمل  لعبة السرد ،وما تحمله من ابعاد سيمائية، فهناك هوية إنسانية  تتمرد على نفسها على نحو خاص  بين الجنديين ” حاتم من جهة ، وأخيه العدو من جهة أخرى . / في الأقل افتراضيا / – ينظر : الرواية – 256- و257 و258 – و259 وينظر 276 – 277 و278 وما بعدها – مع أن تمرد هذه الهوية  على نفسها هي  توهممن حاتم، ورغبته في محبة للآخرين، وفي الاخوة الإنسانية التي يريدها  لتنهي  العداء التاريخي بما فيه من تشوهات فكرية  قادت ، وتقود إلى الخصام بين بلده ، والبلد الآخر/ الجار؛وهو توهم يسعى إليه الإنسان  السوي الذييشعر ربما  بتأنيب الضمير ،بعد مشاركته في الحرب ، والقتل ، والتدمير ، كما في حكايات التاريخ الاسطوري القديم / قابيل وهابيل / وما تمثله تلك الجريمة  من رمزية ،وجودية على مدى التاريخ البشري….لهذا يكشف  لنا السرد عما يعتمل في روح حاتم الديّو الذي تحول فيما يبدو نتيجة  الحرب ، والموت ، والدم إلى تلك الصرامة التي ظهر عليها منذ السطور الأولى في الزمن الآني للرواية في الشارع والمقهى  ، على ما في سلوكه من روح إنسانية متعالية ” لا ..لا وقت لديه ينفقه هنا وراء مدفعه . أمّا الوقت الذي يمتلكه هناك في الأعلى ..مع الجندي أخيه ، بين بطون السديم ، فلا يمكن عدُّه وقتا أرضيا . لا يمكن استثماره في إنجازفعل أرضي ..أنه ..ربما .. وقت لحدس الوقت الأرضي …هذا الاستطراد لم يأت على لسان حاتم طبعا . …” 32 ..يقول فرويد عن الهذيان في الفن وهو يقرأ رواية   ” غراديفا ” – 1903 – عن شخصية  عالم آثار شاب يدعى نوربرت هانولد ..وقد اكتشف تمثالا صغيرا في روما  حاز على اعجابه ، وهذا الاعجاب يقوده إلى تشكيل عالم روائي متوهم من الاحلام ، وسرديات  الهذيان ، فيظل  هذا العالم الشاب يلاحق ذلك التمثال  حتى يصل إلى الهند، إذ إن نوربرت هانولد يعيش لحظات من الهيام ، والأحلام  في هذا التمثال حتى تتبدى شخصية ” غرايفا ” كائنا حقيقيا  في أحلامه ، وتظهر في أكثر من مكان  وزمان ، وفي أكثر من صورة ، بل أنه كان يحلم أنها موجودة  في الهند قبل ألف عام …يقول فرويد  وهو يطرح سؤالا شعريا  : (  لا ندري ما صلة  الوصل التي يمكن أن تقوم بين أفنه ” الفن ” ، وبين الإنسانية ، حتى يحظى منا بهذا الاهتمام ، وللروائي مطلق الحق  في ان يتركنا على هذه الحيرة ) 13. إن سؤال فرويد هذا يضعنا في  متاهة الحلم ..على الرغم من اهميته  للسرد ، وذلك في انتماء الحلم  للشعرية أكثر من الانتماء للعلم – بحسب فرويد – ..ولهذا كان السارد في ” خلوّ ” ينقل تجربة  حاتم الديّو الإفتراضية أو المتوهمة ، بما تحمله من ابعاد  رمزية .. إذ إن  اليعسوب ” خلط  ” الحدث كله ، وأربك الزمن كله في شهادته عن الهيجان والعراك ، ومشاركة القتيل في هذا الهيجان ؟!! وهناك تبرز الاحتمالات في سلسلة الرواة ، واخبارهم عن كل ما حدث ، وما يجري بصيغ عجائبية – مثلا عن – ” الشفاطة العجيبة التي تظهر الشباب المتمرد ،وهي تتصل بالحدود  ”  .. وقد اختلق الرواة حكايات بطولة كما في حكايات القديسين والأولياء ،  كما تقول نشمية الخبازة ، واليعسوب عن أجنحة الشباب الثائر ، وكأنهم كانوا  ملائكة سماوية .. وثمة احتمالات أيضا يطرحها السارد والمتلقي  ،  تشيرإلى  رمزية” طيف ” حاتم الديّو، وظهوره الدائم لاسيما في زمن الهيجان – كما في طيف شمران العتيبي في رواية مدن الملح ، لعبدالرحمن منيف –    فهو إذن ” طيف  الثورة “،ورمزها الأزلي الذي يظل يظهر في حين ؟!! هكذا يطرح السارد احتمالاته ..و أسئلته …لتبرز هنا مواقف ، وشخصيات أخرى ، منها ” ضرغام  مثلا ”  وهو يحمل شعلة الثورة من حاتم الديّو مع الشباب الثائر ، فكانت صورة ” الديّو”هي صورة تمثل النقاء الوطني ، ونبراس الثورة ..بتاريخ ناصع ، ونظيف  ، ونقي ، وشريف ،  بما تحمله سيمائية التداول التي أرادالديّو ،الحفاظ عليها في  نقاء وطنه، و نقاء تمرد شبابه  ، و نقاء سيرته  الشخصية ،  وذلك في وصيته لزوجته أم كريم  🙁 أن توضح لبنائها حين يكبرون … توضّح لهمأنّ أباهم قد دفع أغلى الأثمان من أجل أن يبقى رجلا ذا غيره .. هذا هو فحوى ما أوصى به أم ابنائه من ذلك العلو …) هذه النصيحة جاءت من ” السديم أو الفردوس الأعلى ” : ينظر : الرواية : 186 – 187 – . إذ أن الديو كان  شهيدالوطنه ،ولهذا هو  في ” السديم ”  خالدٌ فيه ، وطيفه مايزال يظلل سماء وطنه ، فهو يمنح القصة  بنية اشد انتظاما ،  يسبغ على الحكاية ” بعدا رمزيا أكبر ” أو بكلمة مختصرة  إن الأعمال الشخصية  (  هي كلها اساطير بالقوة )  تبنّيها على الصعيد الجماعي ابعادها الاسطورية  : ينظر : اختلاق الميثولوجيا : 125- 126. هذه  كانت تجربة ، وطن مايزال يعيش في طيف ” حاتم الديّو ” إلى الأبد .أو طيف الثورة المستمرة .

× – خِلوّ : طه حامد الشبيب : منشورات أتحاد الأدباء والكتاب في العراق : ط1: 2021

 المصادر:

اختلاق الميثولوجيا _ مارسيل ديتيان– ط1-2008

اختلال العالم ، حضارتنا المتهافتة – أمين معلوف – بيروت – ط1 – 2009

السرد والهوية : دراسات في السيرة الذاتية والثفافة : – تحرير : جينز بروكميير و دونال كربو  القاهرة – ط1-  2015

شعرية الرواية الفانتاستيكية : شعيب حليفي : بيروت – ط1- 2009

الكتابة الثانية وفاتحة المتعة : منذر عياشي – بيروت ط1-1989

الكذبة الرومانسية والحقيقة الروائية –رينيه جيرار – بيروت – ط1- 2008

مدخل إلى الأدب العجائبي : تودروف : القاهرة – ط1- 1994

مدخل إلى علم السرد :مونيكا  فلودرنك : ترجمة د. باسم صالح حميد :بيروت : ط1-

  2012

مدخل إلى نظرية الأنساق : نيكلاس لومان – كولونيا ، المانيا – ط1- 2010

الهذيانُ والأحلام في الفن – فرويد – بيروت – ط1- -1978

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى