سري للغايةملف عراقي

كيف انتهى “البعث البديل” في مشروع عبد الخالق السامرائي أمام مشروع صدام حسين؟!

“برقية”-خاص(2): وفي كلامه على “زهد” عبد الخالق السامرائي، قال الدكتور جعفر المظفر، إنّ الحديث لوحده عن تجرّده، ونكرانه لذاته، وبطريقة تصوّره كما لو كان “راهباً” أو “قديساً” حتى لو كان يستند إلى إعجاب بشخصية السامرائي، بعيداً عن جانب كونه ذا مشروع فكري وعقائدي، إنما هو شخصنة قد تساهم بتشويه صورة عبد الخالق المفكر والمثقف والقائد السياسي، وجميعها تحتم عليه أن يكون بعيداً عن فكر الراهب، وسلوك “الرهبنة”.

     ومن دون الحاجة إلى نقل المزيد من شرح الدكتور المظفر في هذا السياق، يمكن القول إنّ الرجل –وهو مفكر سياسي بارع، لا يجانف المنطق- قد أعطى ما يشبه “التفسير غير المباشر” لسبب فشل السامرائي رحمه الله في مهمته الإصلاحية أو التنويرية أو الثقافية، ذلك أن الطيبة أو “الدروشة” أو لنقل “النزاهة الخالصة”، وحدها لا تصنع قائداً. ثمة مواصفات أخرى من أهمها أن يدرك هذا الرجل المتصدي للمسؤولية النضالية “طبائع المرحلة” و “الصراعات” و”القوى المتحكمة” لاسيما في بلدٍ عالمثالثي كالعراق. أما كونه “Vulnerable” على حد اللفظة الإنكليزية أي “غير حصين”، وغير ممتلك لأدوات الدفاع عن نفسه، والاستجابة لتقييم المعجبين به، فهي مسألة غاية في التعقيد، لأنه في النتيجة سيكون ضحية “نقص” في أدوات شخصيته الافتراضية كـ”قائد”!.

وهذا الكلام يقودنا إلى الإشارة لصدام حسين رحمه الله نفسه، إذ بعد مخاضات أكثر من ثلاثين سنة حكماً، “يفشل” في إبعاد العراق عما حلّ به، ويتركه عرضة للتغلغل الفارسي..هذا يعني –عند الكثيرين جداً- أنه حتى لو كان ضحية لتآمر الكويت، الخليج، إيران، أميركا، إسرائيل، المعارضة الفاسدة، أو أية جهة أخرى، ما كان عليه أن ينقاد إلى “الفخ”، لأن مصير العراق وشعبه، كان يجب يكون عنده شخصياً، أهم بالتأكيد المطلق من مصير صدام وسمعته، ومن الحزب والثورة وما إلى ذلك !. ولأن العبرة بالخواتيم كما يقال، لم تنفعه فتيلاً صيحة “غدرَ الغادرون” !.

      ثم أنّ الدكتور المظفر –وأنا من المعجبين بأسلوب بحثه السياسي ومنهجيته- عمدَ في محاضرته عبر المجلس الثقافي العراقي إلى التركيز في حديثه على ما أسماها “منظومة الأخلاقيات المتوارثة” لدى القادة والسياسيين بدءاً من تأسيس الدولة العراقية الحديثة في مطلع العشرينات من القرن الماضي، مشيراً إلى أنّ أغلب السياسيين وإلى حد كبير كانوا على مستوى عالٍ من الأخلاق والنزاهة. ولهذا فإن السامرائي بسلوكه المتواضع  ليس “استثناء”، فملوك العراق، ونوري السعيد، وعبد الكريم قاسم، وعبد السلام وعبد الرحمن عارف، كانوا يتصرفون بنزاهة، ويعطون أمثلة حيّة على النموذج الذي يجب أن يتحلى به السياسي القيادي!.      

ويبدو واضحاً أنّ “مثالية السامرائي” وربما منحاه الثقافي الخاص في إنشاء ما أسماه الأستاذ المظفر اشتغاله على مشروع “البعث البديل” هو الذي قاده إلى حتمية التصادم مع صدام حسين لأنه هو أيضاً كان ذا مشروع في صناعة مرحلة بعثية على وفق ما رأينا طوال ثلاثة عقود ونيّف. ولأن صدام كان منذ بداية التغيير سنة 1968 يمتلك أدواته السياسية باحتراف تطبيقي وليس تنظيرياً، لم يقوَ أحد على الوقوف بطريقه. ولعل نجاحه في اجتذاب الشيوعيين والبارتيين وغيرهم إلى “جبهة وطنية” كان الدليل على مكنته السياسية استراتيجاً وتكتيكاً!. لأن كل شيء في السياسة يرتكز كما هو معروف إلى “العمل بالمتاح”، فالسياسيون ليسوا أنبياء ولا رساليين، ولا فلاسفة، ولا شعراء، ولا حالمين!…………….(يتبع)    

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى