سري للغايةملف عراقي

في ذكرى الثلاثين من تموز*..تظاهرة تجتاح القصر..وقائد بعثي يحرّض على إعدام جواسيس إسرائيل(2)!!

ــــــــــــ بقلم: نزار السامرائي ــــــــــــ    

      في اليوم التالي للتحرك الذي أزاح مجموعة النايف وظهور الثورة بوجهها المعروف، أي يوم 31//7/1968 دعت قيادة الحزب وبتعليمات صارمة إلى القيام بتظاهرة تتوجه إلى القصر الجمهوري في كرادة مريم، عبر الشارع الرئيس الرابط بين جسر الجمهورية والجسر المعلق، تأييدا للثورة وابتهاجا بها، كان واجبي الحزبي يتحدد بمرافقة التظاهرة بسيارة بيك أب ومعي بعض البعثيين وكان بحوزتي مكبر صوت (لاود سبيكر متنقل) من أجل طرح الشعارات على المتظاهرين كي لا يحصل خروج على وحدة الخطاب السياسي فيها، فالحدث ما زال يتنفس نسمته الأولى ولم يبلغ سن الرشد، والاجتهادات كثيرة ومستوى الوعي بين البعثيين متباين وكذلك الحال بالنسبة للمواطنين، وحينما وصلت التظاهرة إلى البوابة الخارجية للقصر الجمهوري كانت الجماهير قد اندفعت إلى الباحة الأمامية للقصر عبر بوابته الرئيسة بقوة لتسحق تحت أقدامها الحديقة الأمامية المزدانة بالزهور الجميلة وذات الأصناف والألوان النادرة والثمينة ومن مناشئ مختلفة، دخلت القصر من بوابته الرئيسة وانتقلت إلى شرفته المطلة على المتظاهرين الذين ملأوا الساحة الأمامية للقصر والشارع الرئيس الذي يقع عليه، حيث وقفت قيادة الحزب في الشرفة لتحية الجماهير المحتشدة التي كانت تنتظر خطابا للرئيس أحمد حسن البكر، وبدأت بحملة تعبئة تسبق الخطاب الذي كان من المقرر أن يلقيه الرئيس البكر بعد قليل، كان السيد صلاح عمر العلي يحرض الجماهير بشعارات قوية وجُمَلٍ ثورية قصيرة تناسب الظرف، وفي إحدى الفقرات قال السيد العلي (إعدام الجواسيس، ماذا تريدون؟) فرددت الجماهير وراءه بصوت هادر واحد وبحماسة خرقت أجواء الصخب العالي عصر ذلك اليوم ولتطغى على كل الشعارات الأخرى، إعدام الجواسيس.

إذن هو المطلب الشعبي الجارف الذي لا يعدله شيء، كانت بيانات الحزب ونشرياته قبل الثورة تركز بشكل قاطع على دور شبكات التجسس وبخاصة الإسرائيلية التي كانت تمثل أكبر تهديد للأمن الوطني العراقي والأمن القومي العربي، محملة السلطة القائمة حينذاك مسؤولية العجز عن ملاحقتها ووضع حد لنشاطاتها، وقد وردت إشارات إلى هذه المعاني في بيان مجلس قيادة الثورة يوم 30 تموز، وحين دنت لحظة إلقاء الخطاب، جاءتني الإشارة لألقي مقدمة قصيرة في الحشد الكبير وبعدها أقدم الرئيس البكر، ووسط هذه الأجواء تكلمتُ عن ميلاد فجر جديد للعراق والأمة العربية فتفاعل الجمهور على الرغم من الصخب العالي، حتى همس البكر رحمه الله في أذني (ماذا حصل كي تنفلت أعصاب القوم على هذا النحو؟) لم استطع أن أوصل جوابي لأبي هيثم أو الشايب رحمه كما كان يحلو لنا أن نسميه اعتزازا به، إلا أنني قلت إنها فرحة العودة، وبعد دقائق ليست طويلة، وفي جو تموزي حار قائظ تتجاوز درجات الحرارة فيه في الظل الخمسين درجة مئوية، ووسط هتافات لم يكن ممكنا السيطرة على مشاعر المتظاهرين فيها، ألقى البكر خطابا حماسيا مكتوبا ومطولا ضاع وسط هتافات المتظاهرين ومما قاله فيه (عهد بذمة رجال الثورة ألا يبقى جاسوس فوق أرض العراق بعد اليوم)، وكأنه كان يستجيب لنداء الجماهير التي رددت بقوة ما كان قاله السيد صلاح عمر العلي الذي كان يحرض الجماهير، مطالبا بإعدام الجواسيس وهو موقف يجسد إرادة سياسية للحزب في تنظيف العراق من هذا المرض الخطير، وبذلك ألزم البكر نفسه وقيادة الحزب والثورة بتطبيق ما كان العراقيون يتطلعون إليه ويناضلون من أجله.

كانت التظاهرة مطلوبة من أجل تأكيد نصر كاد أن يضيع في ظروف التحالفات القاهرة جعلت البعثيين يعيشون على أعصابهم أطول ثلاثة عشر يوما في التاريخ وينتظرون الأسوأ ويتحسبون لما يمكن أن يلحق بهم في حال فشل التجربة الجديدة، وكانت التظاهرة مطلوبة لاستعراض القوة الجماهيرية للحزب على مستوى الشارع العراقي لتمنح البعثيين ثقة بأنفسهم والأعداء رسالة تحذير من مغبة التعامي عن الحقائق الجدية على الأرض، ربما شاركت قطاعات غير بعثية في التظاهرة إلا أن التظاهرة كانت بنسبتها الكبرى خاصة بالبعثيين إذ لم يتم طرح فكرة التظاهرة على مستوى الإعلام وإنما تم التبليغ عنها عن طريق الجهاز الحزبي فقط ، والآن وبعد أن خلصت لهم الثورة كاملة، عليهم الآن مهمة أكبر مما لو كان معهم آخرون، فالفشل يسجل بكامله عليهم والنجاح سيسجل لهم بكل ما يحمل من معان، كانت الصفحة الأولى بعد الثلاثين من تموز والتي عليهم إنجازها صفحة تثبيت الحكم من دون عنف وإقناع الشارع بأن التجربة الجديدة فيها من نضج الرؤية السياسية ما يمنحها حصانة كافية لتجنب المعارك الجانبية والصراعات داخل الصف الوطني مما يفضي إلى إخفاق التجربة، هم اليوم أمام اختبار كبير لقدرتهم على تنفيذ برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتي تبدأ عادة بالتنمية البشرية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يتبع……..

*(في ذكرى الثلاثين من تموز)..عنوان الكاتب، وما بعده من اختيار “برقية”، طبقاً لمضمون النص.  

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى