إبداعثقافة وفنون

النظرية (اللَوْئِية) وقراءة تاريخ العراق المعاصر

                    ـــــــ بقلم: الدكتور جعفر المظفرـــــــ  

   إنَّ واحداً من أخطاء القراءات التاريخية لتقييم العهود التي مر بها العراق منذ تأسيس دولته الحديثة، هو الإعتماد كثيرا على كلمة الـ (لو) وذلك لتقديم بحوث وقراءات وآراء تعتمد على ما أسميته في مقالة سابقة بـ (النظرية اللوئية !).
والذي أعنيه بهذه النظرية هو أن كثيراً من القراءات (صار يحكم على إيجابيات ما سبق من خلال سلبيات ما لحق), وهذا ليس عدلا على الإطلاق, لأن الأحكام العادلة والأمينة والحرفية يجب أن تنطلق من خلال السؤال المحوري الأهم : هل كانت ظروف المرحلة ذاتها تستوجب التغيير أم لا ؟!, وستجعلنا مهمة العثور على الإجابة الدقيقة نؤجل, وحتى نخفف إلى حد كبير من تدخلات (النظرية اللوئية) التي ربما سيجعلنا دخولها على الخط نقرأ التاريخ بعين عوراء ونحكم عليه بلسان مشلول.
      وفي عصرنا العراقي الراهن ثمة أحداث وتحولات مفصلية عادة ما يجري الحكم عليها من خلال (النظرية اللوئية) وحيث تقع البحوث الأكاديمية في واحد من أهم مطباتها ألا وهو (الحكم على ما إنجلى من خلال ما تلى, والحكم على السابق من خلال اللاحق) وذلك بعد مقارنات قد تعتمد المنهج الوثائقي الأقرب إلى النظريات الحسابية منها إلى النظريات التحليلية الفكرية.
     القراءة الأولى هي التي تشكك بثورة أو إنقلاب الرابع عشر من تموز مدعية, بالمقارنة مع الفوضى التي سادت سنوات ما بعد الثورة أو الإنقلاب, أنه كان بإمكان الحكم الملكي, لو تُرِك له أن يتطور بشكل سياقي, لمنع عن العراق أهواله ومآسيه, ولصار حتما أفضل من دول الخليج التي كانت وهو في عهد إزدهاره مجرد مدن من طين أو صحراء يجوبها البدو الرحل.


      وكثيرا ما يتشجع هؤلاء الأخوة المؤمنون بـ (النظرية اللوئية) إلى حد إعتبار نوري السعيد, رئيس الوزراء الذي إرتبط الحكم الملكي بإسمه, أحد أبرزعباقرة السياسة, وإنه كان من أشد المخلصين للعراق, ثم نراهم لا يترددون عن الإتيان ببعض ما كان للرجل, سواء على صعيد رؤاه السياسية أو سلوكه الإجتماعي, لكي ينسجوا حوله القصص التي تؤكد على نزاهته وروحه الحلوة وسياسته المشعة بالحكمة والرزانة العقلية. ثم لا بأس عليهم بعد ذلك أن يأتوا لنا ببعض الخرائط التي تقول إن (مجلس الإعمار) هو الذي وضع كل المشاريع التي قدر لها أن تنفذ فيما لحق من عهود, وكأن التقدم والبناء هو مجرد خرائط وتمنيات.
     بكل تأكيد إن العهد الملكي لم يكن يخلو من إنجازات حقيقية, لكن علينا التأني حينما نقول إن ذاك الحكم كان مسؤولا عن تأسيس العراق الدولة التي كانت مجرد ثلاث إمارات متفرقة تابعة للحكم العثماني. الحقيقة, ومع محبتنا للملك فيصل الأول, فإن هذا الرجل لم يكن هو مؤسس دولة العراق الحديثة, كما وأننا لن نظلم الشعب العراقي ولا نتعدى على عظمة ثورته العشرينية حينما نقول إن المؤسس الفعلي لهذه الدولة كان الإستعمار الإنكليزي نفسه.
     وهنا وعلى طريق الإستدراك سنقول أيضا إن الإنكليز المحتلين لم يفعلوا ذلك لعيون العراقيين ولا من واقع إعجابهم بالسومريين أو البابليين أو الآشوريين, ولا لأنهم شربوا من ماء دجلة والفرات وتأثروا بعذوبته ثم أقسموا على جرفه أن يعيدوا بناء جنة عدن وأن يرمموا الجنائن المعلقة, وإنما لأن مرحلة ما بعد إنهيار الدولة العثمانية أدخلت المنطقة في عصر الدول (الوطنية), فكان تأسيس دولة العراق هو نتيجة منطقية ومعبرة عن إنتهاء عصر الولايات والإنتقال إلى عصر الدول التي صنعها مقص سايكس بيكو.


    وفيما بعد فإن العقود اللاحقة حملت معها كثيرا من المتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية التي قدر لها أن أن تجعل من نهاية دولة العراق الملكي مجرد حدث متسق مع حركة التاريخ, مع أن ذلك لا يعني على الإطلاق أن العامل الدولي هو الذي كان متقدما على العامل الوطني الصانع الحقيقي لدولة العراق الجمهوري, وإنما يعني أن عهد الإستعمار الإنكليزي قد بدأ يتراجع أمام صعود الدولتين الأقوى وهما الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفيتي. أما الظروف الداخلية التي كان قد هيأت وخلقت وأنضجت عوامل التغيير ومهدت للإنفجار فهي ليست بالقليلة, وفي خلاصتها نستطيع القول أن العهد الملكي قد وصل إلى خاتمته, وأن الإنفجار العسكري والشعبي لم يأتِ مطلقا من فراغ, وإن الإنكليز أنفسهم كانوا قد أخطأوا حينما وضعوا العراق في فم المدفع وحينما ألزموه بالإنتماء لحلف بغداد وإعتباره دولة للمقر ووضعوه, وهو الدولة الصغيرة الضعيفة, في مواجهة العملاق السوفيتي وفي مواجهة الزعيم الصاروخي الشهرة آنذاك جمل عبدالناصر, فأدوا بالتالي إلى توفير كل عوامل الإنفجار الداخلي سواء على صعيد عسكري أو على صعيد شعبي.
إن نهاية الحكم الملكي لم يكن تعبيرا عن نهاية حقبة تاريخية وبداية حقبة عالمية جديدة فحسب وإنما لأن ظروف ذلك العهد كانت قد حفلت, على صعيد عسكري ومدني, بكثير من العوامل الأساسية التي تفسر إنهياره.
ولهذا, فإن إستعمال (النظرية اللوئية) لقراءة التاريخ سيجعلنا نغفل عن حقيقة أن قراءة هذا التاريخ لا تعتمد على (مقارنة ما سبق بما لحق) ثم إستعمال الضرب والقسمة والجمع والطرح لتحديد نتيجة المقارنة, بل أن القراءة يجب أن تعتمد بشكل أكيد على ظروف تلك المرحلة نفسها والتي تبدأ هنا من تاريخ إنتهاء الدولة العثمانية وتأسيس الدول الحديثة إلى تاريخ تباشير إنتهاء العالم الإنكليزي والفرنسي وبداية عهد العملاقين الأمريكي والسوفيتي ودخول العالم في عصر الحرب الباردة.
    وإن من المهم هنا أن نتعرف على حقيقة أن الإعتراف بأهمية تأثير العامل الدولي لا يلغي ضرورة الإحتراس من إستخدام نظرية المؤامرة التي قد تقول إن التغيير كان صناعة أمريكية, ولنتذكر أن أمريكا التي كانت تتطلع فعلا لإحتلال مكانة الإنكليز والفرنسيين في الشرق الأوسط, لم تكن قد تمكنت بعد على حسم مكانتها تلك بل كانت في بداية بناء مكانتها الشرق أوسطية كقوة قرار, الأمر الذي مكّنها فيما بعد على إحتلال العراق إيذانا ببداية عهد (دولة اللادولة), وبمعنى آخر دولة المليشيات والطوائف والملل التي تعتبر بكل القياسات من أتعس الدول في التاريخ.
       ولهذا كله وجب علينا أن لا نسقط معطيات وحسابات ما لحق على ما سبق, لأن ذلك سيقودنا إلى إصدار أحكام تتفق مع (النظرية اللوئية) الفارغة من أية حسابات فكرية تحليلية.
      ولي أن أقول كخاتمة لهذه المقالة أن الجزء الثاني من (النظرية اللوئية) و(نظرية المؤامرة) سيتحدث عن علاقة هاتين النظريتين مع حكم الرئيس الراحل عبدالرحمن محمد عارف وحقيقة الإنقلاب الذي حدث ضده في السابع عشر من تموز عام 1968.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى