تحليل معمّقتحليلات

قضية رأس (أبو جعفر المنصور).. بلدٌ بتاريخ كهذا يصعب عليه البقاء!!

ـــــــ بقلم الدكتور جعفر المظفر* ــــــــ

     صلاح الدين الأيوبي قضى على الدولة الفاطمية في مصر, لكنه مع ذلك أبقى على إسم  القاهرة, وما زال المصريون يعتزون باسم عاصمتهم باعتبارها “قاهرة المعز” نسبة إلى بانيها الخليفة الفاطمي.

   وللتاريخ أيضا فإن جامعة الأزهر يعود بناؤها أيضا إلى نفس الخليفة, أي المعز الفاطمي, وقد خصصت في بادئ الأمر لتعليم ونشر المذهب الشيعي, وقد أبقى صلاح الدين الأيوبي على الإسم نفسه الذي ظل على حاله حتى الوقت الحاضر.

   بغداد لم تبنِ ضريحا لمؤسسها (أبو جعفر المنصور) بل اكتفت فقط بنصب لرأسه. في المقابل أبقت بغداد التي حكمتها أنظمة أغلب رجالها من السنة على ضريح الإمام موسى الكاظم وأسمت المنطقة الكبيرة التي تحيط بالضريح بإسمه (الكاظمية) التي صارت اليوم من أكبر مناطق بغداد.

   الإمام أبو حنيفة النعمان الذي يتبعه أغلب سنة العراق مات في سجن أبي جعفر المنصور, لكن سنة العراق التابعين فقهياً لإمامهم بنوا ضريحا لإمامهم وسموا حيا بغداديا كبيرا بإسمه, ومع ذلك فهم لم يدخلوا في خصومة تاريخية سياسية مع المنصور لأنهم عرفوا كيف يميزون بين فقه الدين وفقه السياسة.

    أهل سامراء الذين ظلوا حراسا تاريخيين لضريحي الإمامين العسكري والهادي لم يظهر منهم, وهم سنة على فقه أبي حنيفة, من دعا إلى نقل رفات الإمامين إلى منطقة شيعية, بل ظلوا حراسا للضريحين وكرماء مع زواره.

    شواهد الدولة العباسية من معاهد دراسية (جامعة المستنصرية) إلى بوابات بغداد إلى قبور لشخصيات عديدة منها ما زالت منتشرة على طول مساحة بغداد الأصلية, فهل صار متوقعا أن يجري تغيير إسم الجامعة أو يجري نبش القبور وهدم الأسوار وتغيير بوابات بغداد.

ثم إذا حسبنا أن إزالة رأس المنصور قد تمت لأسباب ثأرية, فهل يعني ذلك أن علينا أن نتوقع في وقت آخر تغيير إسم بغداد نفسها التي بناها المنصور إلى إسم من أسماء أئمة الشيعة.

إن التاريخ الذي يكتب بقلم واحد وبلون واحد وبعقل واحد هو تاريخ لا يستحق القراءة.

 كذلك فإن بلدا بتاريخ كهذا سيصعب عليه البقاء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أستاذنا الدكتور جعفر المظفر، مناضل، ومفكرٌ سياسي، وشاعر، ومحاورٌ من الطراز الأول، ولد في البصرة الفيحاء، وعاش في بغداد وعمل فيها. وهو طبيب أسنان متقاعد، يقيم حالياً في الولايات المتحدة. تتميّز تحليلاته بالدقة، والحصافة الوطنية، ونبذ الطائفية والتمييز لأيما سبب، والتماس الحقيقة، وكشف أبعادها، بهدف تنويري، لا يرقى الشك إلى إخلاصيته، وعدم انتظاره لأيّما ثمن سوى خدمة تاريخ العراق، وحياة العراقيين. فاللهَ نسأل أنْ يطيل عمره، مكلّلاً بالعافية، ويديم علينا نظراته الفكرية الثاقبة، الملفتة، والمعلِّمة…صباح اللامي   

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى