إبداعثقافة وفنون

“وجوه أحفظ طيبتها”..ويسمّيها العامّة “أم الگيمر”!

ـــــــ بقلم: أ.د. مزهر الخفاجي* ـــــــ

  يسمّها العامّة “أم الگيمر”!.  

 وأم الگيمر هذه التي تفترش الأرض ومنتوجها من الحليب ومشتقاته أمامها وحولها في أواني كبيرة مغطاة بقطع من القماش الأبيض .. وغالباً ما يكون تواجدها قرب المخابز وافران الصمون لترويج بضاعتها التي لا تقتصر على القيمر فقط وانما يصاحبها بيع الحليب واللبن ( الروبة ) .. ومن الملفت للنظر أن بائعات القيمر دائما تكون ملابسهن اللون الاسود ليست علامة للحزن وإنما هو سبب اختلاطهن بالرجال وتواجدهن في الأسواق ..

    “بائعة الگيمر” مهنة من الزمن الجميل وهي باقية لحد الآن ، وتقتصر على النساء فقط … ومنهن من تدور في المحلات في الصباح الباكر وبضاعتها في صحون الواحد فوق الآخر على رأسها مغطاة بقطع بيضٍ من القماش خوفاً عليه من الاتربة والذباب … وكل واحدة لها زبائنها ( معاميلها ) ومنهن من تطوف بالمتبقي من بضاعتها بعد توقف البيع في السوق ..

   وقد شمل التطور هذه المهنة من حيث البيع فتقوم بائعة القيمر لتقديم الخدمة الى زبائنها وذلك بوضع القيمر عند وزنه بعلبة صغيرة جاهزة اشبه بعلبة الحلويات وتضع فوقه قليلاً من الحليب وتغلفه بكيس من النايلون ، وتضع الحليب للزبون في قنينة بلاستيكية محكمة الغطاء ، وتضع اللبن ( الروبة ) في كيس من النايلون ، فهي عملية ترويج ونظافة وخدمة لزبائنها ..

   وقد يسمى هذا النوع من القيمر ( كيمر عرب ) وقد اشتُهرت بعض المناطق بهذا النوع من القيمر ، مثل ( كيمر السدة ) و( كيمر الفضيلية ) في بغداد ومناطق معروفة في بعض المدن والمحافظات ..

   أما بائعة القيمر هذه فإنها تمضي ليلها الطويل في مسكنها في اعداد وتحضير وتسخين وتحريك الحليب واضافة بعض المواد له ، اضافة الى عملية التبريد … فهي تمر في مراحل شاقة لكي تصل مادة القشطة ..

   وتستقبل صباحها الباكر للذهاب الى المدينة وانتظار السيارات التي تنقل بضاعتها لأن سكنها في ضواحي المدن بسبب الحيوانات ( الجاموس ) التي تتطلب مكانات واسعة وتوفير اعلافها وقربها من النهر ..

   وهناك البعض من ينعت ( ام الكيمر ) بأنها ( شايلة خشمها ) …..

   ومن الطريف بالموضوع أن احدهم قال : ( سأذهب واشتري گيمر من هذي الي شايلة خشمها واحچي وياها ) فذهب وجلس امامها واشترى منها الگيمر وهو ينظر في وجهها دون ان يذهب ، فقالت له : (شبيك اتباوع ؟ ) ..فرد عليها :

)شگد شفت و ياما اسمعت …. وروحي أصبحتْ مرجوحه )

بس ما شفت يا هــــل خلگ …. گيمـــر يبيـــع ابروحــــــه )

وقد تغنى المطرب الراحل ناظم الغزالي :

(يا ام العيون السود ما اجوزن انا … خدچ الگيمر اتريك منا )….   

  إنّ عمل بائعة القيمرهو عمل مضنٍ وشاق لمروره بمراحل الإعداد اليدوي ليلاً والتهيئة والنزول الى المدينة صباحا وتحمّلها برد الشتاء وحرارة الصيف ومشقة الطريق وحمل منتوجها على رأسها وأغلب الاحيان تقطع الطريق سيراً على الأقدام وطول انتظار فترة البيع والتعامل مع الزبائن والابتعاد عن اطفالها وتربيتهم والاعتناء بهم وتغذيتهم ومتطلبات الحياة الزوجية وأمور البيت الأخرى .. كل هذا هو كفاح من أجل توفير اسباب العيش في هذه الحياة .

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*لا يكتب بروتين ما يكتبون، أو على غرار كتابات أخرى. هو نسيجُ وحدَه!. لغتُه تمثّله، ومفرداته، كأنها مقتلعة من صميم قلبه. كتب لي يصف كتاباته بشديدِ تواضع العارفين “فقط، أكتبُ ما أحسّ به، وما يجعلني أتوازن”. هذا الكائن المعرفي، الأكاديمي، الأدبي، الصحفي، المعطاء، يمتلك أداوتٍ إبداعية في الحرف والجملة والمعنى، قلّما يحظى بها كتّاب مبدعون. أخي الحبيب دكتور مزهر، أنا من عُشاق كتاباتك. حرسك الله ورعاك…صباح اللامي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى