إبداعثقافة وفنون

الكاتب القدير رباح آل جعفر ينظر إلى (ندامة الثوار)…عبر دنيا سائرة بالمقلوب!

في الأيام الخوالي ازدهرت موجة من الخطب السياسية وأصبحت على قفا من يشيل فأصيب العالم بالتخمة. كان الأديب السوري فؤاد الشايب يكتب للرئيس شكري القوتلي خطبه الملحميّة. وكان يبدأها في كل مرة بالعبارة الشهيرة: «هذا يومٌ عظيم». ملّ العسكر في سوريا من أيّام رئيسهم العظيمة فأطاحوه بانقلاب قاده من مقهى دمشقي حسني الزعيم. استولى الزعيم على حكم سوريا 137 يوماً بالتمام فكافئوه على هذه الأيّام بصورة تذكارية على منصة الإعدام!.

‏ما أقسى التاريخ وما أعجب مفارقاته. دنيا سائرة بالمقلوب. يوم لك وعشرة عليك. الوصي عبد الإله يعلّق جثة العقيد صلاح الدين الصباغ على مبنى وزارة الدفاع، وعلى مبنى وزارة الدفاع يُعلّقون جثة عبد الإله بعد قتله، ثم يقبضون على عبد الكريم قاسم في وزارة الدفاع ويُساق إلى الإعدام: «لو يكبرُ الحمامُ في وزارة الدفاع لو يكبرُ الحمام»!.

‏في ذلك الوقت كان العالم يحكمه رؤساء من طينة الزعماء. وكان ثواره يستعيرون حنجرة شعراء ديوان الحماسة في خطاباتهم اللاذعة على طريقة الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم: ونشرب إن وردنا الماء صفواً. فالرفيق الكوبي فيدل كاسترو كان «حامل الهوى» بلحيته الكثّة ولباسه الكاكي. كان يخطب ست ساعات متواصلة كماركسي يريد أن يغيض خصومه الرأسماليّين. فيتثاءب العالم من حوله بينما كانت العاصمة هافانا تنام في الظلام بلا كهرباء.

‏وبينما كان الروائي غابرييل غارسيا ماركيز «غابو» هو الصديق الأقرب إلى كاسترو يعرض على صديقه الكوبي مسودة كل رواية يكتبها. كتب باشا الصحافة محمد حسنين هيكل «فلسفة الثورة» واستطاع بموهبته الفذة أن يصنع شخصية جمال عبد الناصر. واستعان العقيد معمر القذافي بالكاتب الليبي الصادق النيهوم على «الكتاب الأخضر» يبشّرنا أن البيت لساكنه. وكتب الشاعر محمود درويش للمناضل الفلسطيني ياسر عرفات أشهر خطاباته: جئتكم حاملاً غصن الزيتون في يد وفي الأخرى أحمل بندقية الثائر.. فلا تُسقطوا الغصن الأخضر من يدي!..

‏في تلك الأيام ضاقت الجمعية العامة للأمم المتحدة بحذاء الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف فخلعه بعد خطاب استغرق مائة وأربعين دقيقة ليضرب به المنصّة الأممية احتجاجاً على عالم يكره الفقراء. يُقال إن الحذاء ضاق في قدم خروتشوف فاضطرّ إلى خلعه!.

‏ازدحمت المقاهي بمثقفي اليسار واليمين، وتوهجت بحمّى الحوار السياسي وبالمساجلات الأدبية. وانتعشت بزبائنها من الظرفاء والشعراء والثوريّين قبل أن تتوزعها الشلل الانتهازية. مثلما انتعش «الحكواتية» من المبشّرين بأن عنترة بن شداد سينتصر حتماً على أبي زيد الهلالي.

‏انتظر الجمهور زمناً طويلاً وسيف عنترة بقي معلّقاً على الجدران حتى صدأ فأصبح سيفاً من خشب. ثم ما لبثت هذه المقاهي أن ابتُذلت فتحولت السياسة على «تخوتها» إلى نوع من الثرثرة. وتحولت هذه الثرثرة على شكل فضائيات بدل المقاهي وصار أغلب زبائنها من «الحكواتية» عشّاق الملاحم الشعبية!.

‏ماذا حدث للسياسة في عصر ما بعد الحداثة؟ تغيّرت الظروف وتبدلت الأحوال. انتهى عصر الخطابة، واختفت الأيدلوجيا، وماتت الحماسة الثورية، وذبلت الوردة الحمراء، وانتحر اليمين واليسار. تقاعد العمر بكاسترو. واستأذن الرفيق تشي غيفارا بالانصراف بعد أن خلع نطاقه وبيريّته وجزمته. وتفتّتت الأوطان، وتسيّست الأديان، وتفكّكت الشعوب، وخلا العالم من ثواره، وأصبح الحالمون بالحرية كالأيتام على مائدة اللئام. ذكّروني ببيت من الشعر للشيخ الثائر علي الشرقي:

‏يا ثورةً أعقبتها ندامةُ الثوار!.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشرتها صحيفة “الزمان” الغرّاء، بعددها الصادر في الخامس والعشرين من مايس الجاري. وأعيدُ نشرها لـ”بهاء طلعتها” في زمن كثُر فيه “القُبْح الكتابي” و”التشوّه الفكري”. تحية ودٍّ دائم للصديق “أبي بلال” الحبيب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى