إبداعثقافة وفنون

قراءة في الدفاتر العتيقة..صراع الحتميات التاريخية-(القسم 6 البعثيون والإسلام)*

              ـــــــــــــ بقلم الدكتور: جعفر المظفر ــــــــــــــ

    بقوله (كان محمد كل العرب فليكن كل العرب محمدا) ألغى عفلق من تاريخ المنطقة حساب قرون وقرون من تلك التي لم يكن العرب فيها موحدين كأمة. فلا عجب إذن أن يرتّب الحزب أهدافه الثلاثة لكي يسبق هدف الوحدة هدفي الحرية والإشتراكية, وكان من أخطر ما زاد عليها تأكيده على أن (الوحدة تَجّب ما قبلها) كما جَبَّ الإسلام الجاهلية.
    ولقد ضيعنا من عمرنا السياسي زمنا قبل أن نكتشف الخطأين المفصلييْن اللذين تسبّبا بالكثير من المآسي, ليس للعراق وسوريا فقط وإنما لعموم المنطقة العربية.
    من ناحية لم تتمكن الوحدة على (جَبَّ) ما قبلها, إذ لم تستطع دولة الوحدة التي قامت بين مصر وسوريا عام 1958 أن تصمد سوى لثلاثة سنوات وعدة أشهر قبل أن يعيد الإنفصال (1961) وضع البلدين إلى ما كانا عليه قبل الوحدة.
     وهنا أيضا فقد تمت مراجعة الخطأ بطريقة خاطئة. لقد راح كل طرف يلقي بخطأ الإنفصال على صاحبه. بالنسبة للبعثيين كان عبدالناصر هو الذي أفشل مشروع الوحدة رغم أنهم, أي البعثيون, قد راحوا يبكوها كثيرا. بل أن المرحوم صلاح الدين البيطار, وهو الرجل الثاني من حيث الأهمية في البعث بعد عفلق, حمل نفسه (جريمة) التوقيع على وثيقة الإنفصال مع عدد من السياسيين السوريين الذين رأوا إن الوحدة قامت على حساب الخصوصيات الإجتماعية والسياسية لكلا البلدين, ولهذا هم رفضوها وإنقلبوا عليها.
    

ومرة أخرى أقول أن الخطأ لم يكن في الوحدة ذاتها وإنما في طريقة الوصول إليها, وهنا فإننا سنكون في حاجة إلى الخوض في التفاصيل إذ  ما زلنا نعتقد أن بإمكان الهدف القومي أن يلغي دفعة واحدة, أو بجرة قلم, الواقع “القطري”, الذي هو في حقيقته واقعا “وطنيا” لم نكن مستعدين للإعتراف به إلا كونه عملاً مداناً, بحيث صارت الوطنية هي تفكير قطري متمرد على السياق القومي لمجرد إيماننا بقدسية هدف الوحدة. حتى كأن الله كان قد خلق “الأمة العربية” دفعة واحدة ولم تكن هناك مخاضات زمنية ومكانية هي التي أنتجتها في زمن من الأزمان.
     لقد منعنا ذلك حتى من التفكير ولو لوهلة بإمكانية أن يكون الوطني طريقا للقومي بدلاً من إسقاط ما هو قومي على ما هو وطني والعمل بالشعار الذي رفعه عفلق في إحدى تنظيراته (الوحدة تجّبُ ما قبلها) .
      وبهذا يصبح الخطأ المفصلي الثاني واضحاً ويتلخص بغياب الإستراتجيات الوطنية التي تقسم التاريخي إلى مرحلي وصولاً إلى الهدف المبدئي, فلأن الوحدة تجّب ما قبلها, فإن ذلك يعني, كما عنى مفهوم الجَبِّ في الإسلام, أن كل ما هو قبل الوحدة بمثابة جاهلية يجب تخطيها بكل السبل من أجل الإرتقاء إلى هدف الوحدة “المقدس”.
      وهكذا فما أن تم إسقاط النظام الملكي في العراق حتى رحنا نحن البعثيين والقوميين بشكل عام نضغط بكل السبل على عبدالكريم قاسم وحلفائه من أجل الشروع فوراً بإلحاق العراق لكي يكون إقليما ثالثا في الوحدة المقامة آنذاك بين مصر وسوريا تحت إسم الجمهورية العربية المتحدة. والأغرب والأعجب أنا كنا قد حسَبنا حينها أن كل تلكؤ أو تأخير في إنجاز هذا الهدف “المقدس” إنما يصب بكل تأكيد في باب الخيانة.
أما الشيوعيون فكانوا في العراق, كما في سوريا, قادرين على (التَمَرْحُل السياسي المرحلي) لأن الماركسية على الصعيد الإجتماعي والإقتصادي تجيز لهم ذلك, فكانوا الأقدر في تلك المرحلة على صياغة برامجهم السياسية بما يتفق إلى حد كبير مع ما أقوله هنا حول الوطني كطريق للقومي وليس العكس, وبهذا فقد كانوا الأقدر أيضا على إيجاد صيغ واضحة للتحالف مع عبدالكريم قاسم زعيم العراق آنذاك وهو الرجل الأول الذي قاد التغيير الذي أسقط النظام الملكي وذلك في الرابع عشر من تموز.
ولا يفترض ذلك أن الشيوعيين العراقيين كانوا حقا مؤمنين بهدف الوحدة حتى تُؤخذ جدية تقسيمهم للمراحل بمعناها اليقيني, وإنما كان تأكيدهم على (الإتحاد الفدرالي) هو على الأكثر قد أتى لعرقلة الإندفاعة القومية والبعثية نحو الوحدة, وليس أكثر.
إن الشيوعيين الأمميين كانوا يضعون عينا على موسكو قبل أن يتحرك لسانهم بنطق الحروف. ومع ذلك, وحتى مع تكذيب القوميين للنوايا الشيوعية أوالشك بها, فإن التعامل مع الشعارات المعلنة حول الإتحاد الفدرالي كان ممكنا على الأرجح أن ينقذ العراق من مذابح كبيرة, ناهيك عن أنه كان ممكنا أن ينقذ حزب البعث نفسه من خطر الوقوع في حضن الحتميات التاريخية المهلكة كتلك التي كان الشيوعيون قد سبقوهم إليها يوم أعلنوا أن التاريخ سائر لا محالة نحو الحقيقة الشيوعية كحتمية تطور سياسي وإجتماعي وطبقي لا مفر منه.
    وحتى مع إمكانية أن تكون المراهنة على ذلك غير مضمونة النتائج, من واقع الإعتقاد بأن الشيوعيين كانوا قد رفعوا شعار الإتحاد الفدرالي كخطوة تكتيكية لتعطيل هدف الوحدة الإستراتيجي الذي ينادي البعثيون والقوميون بتحقيقه الفوري إلا أن حساب الأخطاء بعيدا عن إسقاطات النوايا والإحتكام إلى الموقف المُعلن هو الذي يصنف الجهة التي بادرت بإرتكاب الخطأ وفعَلّته, وهم هنا بطبيعة الحال البعثيون والقوميون.
وأجزم أن حزب البعث لو كان أعطى أهمية ولو متواضعة لضرورة الـ (التمرْحُل السياسي) كذلك الذي فعله الشيوعيون لكان ممكنا تجاوز العثرات الكبيرة التي مر بها التغيير بعد الإنقلاب على النظام الملكي. وإن ذلك لا يعني بان الشيوعيين وقاسم نفسه لم يكونوا مسؤوليْن عن مجمل الكوارث التي حفلت بها مرحلة الخمس سنوات, وهي الفترة التي حكم بها الزعيم قاسم العراق منذ إنقلابه على النظام الملكي (1958) وحتى سقوطه وقتله (1963), غير أن ترتيب الأخطاء من حيث الأسبقية سوف يساهم بإعادة دراستها حسب أسس مهنية وحيادية رصينة وبمسؤولة بعيدة عن الإنحيازات المسبقة.


   وكما أعتقد أن دراسة بهذا الإتجاه سوف تنتهي إلى حقيقة أن الشيوعيين, وإن لم يكونوا هم البادئين بإرتكاب الخطأ العقائدي, إلا أنهم كانوا البادئين بإرتكاب الخطأ الجنائي والسياسي, وذلك من خلال أسبقية التعامل بالعنف الوحشي, الذي كُتب له أن يتصاعد بعد ذلك على طريقة الفعل ورد الفعل, اللذين كانا كلاهما خاطئين لأن الجريمة لا تبرر الجريمة حتى بالعرف القانوني, فكيف إذا كان العرف هنا عقائديا وسياسيا. ولقد أقدم الشيوعيون على قمع البعثيين بعنف وحشي غطى أغلب مناطق العراق, ولم يكن البعثيون آنذاك ميالين إلى العنف السياسي, ولا يمكن بكل الأشكال تبرئة عبدالكريم قاسم عن تلك الجرائم بعد أن إستثمر الصراع الشيوعي البعثي وتقلب فيه لأجل حماية نظامه.
       ولأني ترعرعت في حضن ذلك العنف الذي كان الشيوعيون قد شملوني بعنايته يوم كنت طالبا في أول سنوات دراستي الثانوية, أي في سن المراهقة, وبعمر لم يتجاوز الأربعة عشر عاما, وذلك في نفس اليوم الذي تم فيه سحل المرحوم (أنس طه) في شوارع مدينة المعقل البصرية لمجرد طلبه من متظاهرين شيوعيين بإنزال صورة عبدالناصر من لافتة كانت قد رسمته على شكل رأس يخرج من حذاء. وتلك كانت أياما دموية مؤسفة إمتدت إلى مدن مثل كركوك والموصل حيث تم قتل وسحل وتعليق عددا ملحوظا من التركمان في كركوك وبعثيين وقوميين في الموصل وعلقت جثث البعض منهم على أعمدة الكهرباء.
      لأني كنت من ذلك الجيل المُعنّف المقموع, ومن لُبَتِّه, فأنا أعرف أن الخطأ كان على مستويين, المستوى العقائدي حيث أسرع التيار القومي في العراق لرفع شعار الوحدة الفورية مما شجع عبدالكريم قاسم والشيوعيين على إرتكاب مجازر القتل والسحل (دفاعا) عن النظام الجمهوري العراقي الجديد وهذا هو بالضبط ما أسميه بالخطأ الجنائي القانوني والسياسي.
      أما البعثيون فسرعان ما حولوا اليوم الذي تم لهم فيه القضاء على نظام عبدالكريم قاسم من مشروع للثورة إلى مشروع للثار, بعد أن أقدموا بعد الثامن من شباط على إرتكاب جرائم بشعة حيث تم قتل العديد من القيادين الشيوعيين, وصار الخطأ في مواجهة الخطأ, والجريمة في مواجهة الجريمة. وقد آل حكم الشارع إلى ميليشيا الحرس القومي أما قيادة الدولة فتوزعت على فرق من الأشباح المتقاتلة.
     أما القول أن الشيوعيين كانوا هم من بدأوا الضلالة حينما دعوا إلى القتال لنصرة نظام عبدالكريم قاسم فهو قول يدل على أن البعثيين لم يكونوا قد صدقوا أن عدوهم الشيوعي قد وقع في (الخطأ) حتى رأيتهم يهرعون إلى حز الرؤوس تحت شعار (إقتلوهم حيث ثَقِفْتُموهم).
وأجد أن على البعثيين أن يعيدوا النظر في نوازع موقفهم ذاك, فالقول أن البيان رقم (13) الذي دعا إلى قتل الشيوعيين لم يكن يصدر لولا أن الشيوعيين قد دعوا أنصارهم إلى الوقوف إلى جانب عبدالكريم قاسم, هو قول يدل, فيما لو حسنت نواياه, على جهل سياسي ساحق وعلى إستعداد بنيوي أكيد لإرتكاب الجريمة السياسية دون رمشة عين, فلو أن النية كانت قد إتجهت نحو إعادة بناء الوضع السياسي من جديد وتوفير مقومات السلام الإجتماعي لأصدر البعثيون فور إنفضاض المعركة لصالحهم دعوة صريحة للتفاهم مع الشيوعيين للدخول في حوار جاد وصبور لغرض تجاوز الماضي الدموي المدان.

الواقع أنه لم يكن أمام الشيوعيين إلا الوقوف إلى جانب عبدالكريم قاسم, فذلك ما كانت تمليه طبيعة العلاقات السياسية السائدة آنذاك. صحيح أنه وضمن معطيات الوضع الصعب والمركب أالذي كان سائدا حينها لم يكن أمام البعثيين سوى القضاء على خصومهم المسلحين ضدهم أيا كانت هويتهم السياسية, لكن كان الأصح, بعد أن أنهوا النظام لصالحهم تماما, أن ينتهجوا سياسة سلمية معتبرين موقف المقاومة الشيوعية ضدهم الداعم لعبدالكريم قاسم المحاصر في وزارة الدفاع, من الناحية السياسية هو أمر طبيعي ومتوقع جدا. وقد ذهب البعثيون في الخطيئة إلى أقصى حد حينما قتلوا القيادين الشيوعين تحت التعذيب وعلى رأسهم (سلام عادل) رئيس الحزب الذي كان قد دعا إلى الدخول في مباحثات لتصفية الأجواء وبناء أجواء من الثقة وإقرار حسن النوايا.
والحال أنه لا يمكن التنابز بعدد الضحايا لتحديد أيهما كان الأكثر عنفا كما لا يمكن تناسي أن المجرم الحقيقي هو ذلك الذي يتحرك في النظرية الفكرية والتنظيمية لكلا الحزبين, وهي نظرية تؤكد في المضمون من خلال خطاب الحتميات التاريخية على أن لا وجود للخصم الطيب إلا إذا كان ميتا.
أما القتلى من الجانبين فقد كانوا ضحايا لفكرهم الضال قبل أن يكونوا ضحايا لضلال الآخرين, إذ تحت راية الحتمية الأممية من الجانب الشيوعي والحتمية القومية على الجانب البعثي كان السلام الذي تحقق بين الطرفين سابقا (جبهة الإتحاد الوطني في أثناء الحكم الملكي مثالا) مجرد هدنة عابرة أو مجرد مكيجة لوجه بشع كنا ندعوه العنف الثوري.
أما المركزية الديمقراطية, وهي النظرية التنظيمية التي يؤمن بها كلا الطرفين فهي المفرخ الطبيعي والمشرعن للقتل السياسي الثوري, وهي التي أنتجت صدام البعثي مثلما أنجبت ستالين الشيوعي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*القسم السادس من (البعثيون وقضايا الإسلام وتاريخ الأمة القومي) ويليه القسم السابع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى