إبداعثقافة وفنون

البعثيون وقضايا الإسلام وتاريخ الأمة القومي (5)*

ـــــــــــــــ بقلم: الدكتور جعفر المظفر ـــــــــــــــ

     لكن الدكتورإلياس فرح الشديد الإعجاب بعفلق، جعلني أعتقد أن آخر مكان للفيلسوف هو العمل السياسي. وهو نفسه لم يكن مهتماً بهذا العمل بل كان جل اهتمامه قد انصبَّ على الجانب الفكري, وقد كان مولعا بعفلق إلى حد كبير حتى قيل عنه أنه كان قد كرّس قلمه لشرح نظريات هذا الأخير وأنه لا يملك مكاناً خارج عقل أستاذه.
    لكن الوقوف أمام حدث كبير كالانقلاب على شرعية القيادة القومية للحزب وإقصائها عن طريق الانقلاب والتمرد العسكري في 23 تشرين عام 1966 بدلاً من الاحتكام للنظام الداخلي ولقرارات المؤتمرات القومية، قد أدّى من جانبه إلى تكريس ميله لمناقشة المتغيرات الجوهرية من خلال الالتزام بالنظام الداخلي, ولذلك رأيته محافظاً على “النمطية” البعثية التي تعبر عن نفسها بإسقاط ما هو قومي عام على ما هو وطني خاص ودون أن يعطي اهتماماً كبيراً لقلب المعادلة, أي الذهاب إلى القومي من خلال الوطني.
    وكان عذره في ذلك أنه كان من جيلٍ ذي علاقة بالثقافة القومية التي تصاعد تأثيرها نتيجة للنضال ضد الاستعمار العثماني, وهو نضال لم تكن أمامه فرص كبيرة للاهتمام بالجانب الوطني لكل قطر على حدة, ولذلك فلم تكن بوصلة العمل الوطني, وخاصة على الصعيد السوري, قد دخلت بعد لكي تكون واحدة من أهم الوسائل والآليات التي تتحكم بتوجهات النضال من أجل الإستقلال, لأن العرب المعاصرين لِمَا سُمّي بثورة العرب الكبرى التي قادها الشريف حسين من الحجاز كانوا قد عاشوا حلم تأسيس وطن عربي واحد وانضموا إلى جيوش الحلفاء بعد أن وعدهم هؤلاء بتحقيق ذلك الحلم. وحينما غدر الانكليز والفرنسيون بهم من خلال إعلانهم لاتفاقية سايكس بيكو التي وزعت البلدان العربية على الحليفين فقد انصب جل العمل القومي على رفض هذه الاتفاقية رفضاً قاطعاً وإعتبروها أساس البلاء.
    

  لقد كان إلياس فرح وغيره من المنظرين القوميين من جيل رأى الوطنية باعتبارها مفهوماً قطرياً مداناً وناتجاً عن اتفاقية سايكس بيكو, حتى كأن العرب قبل تلك الإتفاقية كانوا أمة موحدة ثم أصبحوا أقطاراً متفرقة بفعل تلك الإتفاقية وحدها!. إنَّ ذلك لا يعني أنَّ الاتفاقية غير مدانة بوصفها عملاً إستعمارياً، لكنه في الوقت نفسه لا يجيز الاعتقاد بأن العرب كانوا قبل هذه الاتفاقية أمة واحدة بالعرف الاجتماعي والسياسي والقانوني.
     الواقع أن العرب كانوا قد تفرقوا إلى بلدان متعددة وبخاصة في أعقاب انهيار امبراطوريتهم العباسية, وظلوا في الأقل طيلة السبعة قرون التي تلت ذلك الانهيار في ظل الحكم العثماني متفرقين إلى بلدان وولايات قُدٍّر لها أن تخضع إلى سياقات متفرقة. ونرى أن مصر لم تخضع للهيمنة المركزية العثمانية كما خضعت لها سوريا, وحتى العراق فقد ظل مقسماً إلى ثلاث ولايات لم يتصل بعضها ببعض إلا في القرون الثلاثة الأخيرة قبل الانهيار العثماني يوم قرر الأتراك بسط سيطرتهم المركزية على تلك الولايات المنفلتة التي كادت كل ولاية منها أن تشكل دولة لحالها.
    وليس ببعيد عنا محاولة تأسيس دولة البصرة أو تلك المسارات التي خضعت لها ولاية الموصل والتي ظل العثمانيون, وحتى الأتراك المناهضون للدولة العثمانية من جماعة الاتحاد والترقي مثلاً، غير ميّالين للتخلي عنها ولم يوافقوا على انسلاخها عن سيطرتهم المركزية.
    ولقد كاد الأمر أن يصل إلى حد ضم البصرة إلى دولة الهند بعد أن اعتبرها الانكليز وفقاً لمصالحهم الاستعمارية بوابة لإمبراطوريتهم التي كان تعتبرُ الهند جوهرة التاج البريطاني, وحتى أن الاقتصاد الإنكليزي كان يعتمد كثيراً قبل اكتشاف النفط على العائدات التي يستحصلها البريطانيون من شركة الهند الشرقية التي أشرفت على التجارة مع الهند إضافة إلى جميع المستعمرات البريطانية في جنوب شرق آسيا, ولذلك نرى أن مقص سايكس بيكو كان يستعمل شفراته وإلى حد كبير وفق ما تمليه عليه مصالحه التجارية.
   

   لكن القول بذلك سيكون سيكون بمثابة محض تبسيط لو أننا أهملنا تلك العوامل الجيوسياسية التي كان يعلم بأهميتها المستعمرون الإنكليز والفرنسيون والتي يُعْتمد عليها كثيراً لتأسيس الدول حتى بدت اتفاقية سايكس بيكو وكأنها عودة حقيقية إلى واقع كان قد ساد قديماً حينما كان العراق عراقاً ومصر مصراً والشام شآماً, والجزائر أيضا جزائرَ
      خلاصة القول إنّ المناطق العربية التي كانت خاضعة للدولة العثمانية صار مقدراً لها أن تخضع لإسقاطات حالات التجزئة والابتعاد عن بعضها البعض بما يسمح بنشوء كيانات قطرية وثقافة وطنية نقيضة للإستعمار, كلٍ على حدة, وقد اعتمد الحلفاء الإنكليز والفرنسيون على هذه الخاصية وأضافوها لعامل المصلحة الاقتصادية يوم راح مقصهم السايكسبيكوي يقسم المنطقة إلى مناطق خاضعة للاستعمار الإنكليزي وأخرى تابعة للحليف الفرنسي.
      غير أن “الشاميين” كانوا قد عاصروا حالة سياسية نوعية مؤثرة غير تلك التي عاصرها العراقيون. المقص الإنكليزي الفرنسي كرس تقسيم بلاد الشام إلى أربعة أقسام هي سوريا وفلسطين ولبنان والأردن. وكان العامل الأشد تأثيراً هو منح فلسطين لليهود بعد الإعلان البلفوري المشؤوم بما أثر أولا في الشاميين أنفسهم الذين كان دافعهم نحو الوحدة بمثابة دفاع عن النفس والذات والهوية والمصير.
       أما على الصعيد العراقي فلم تفعل اتفاقية سايكس بيكو مثل ما فعلته مع الشام, بل إننا على العكس من ذلك رأيناها توحّد الولايات العراقية الثلاث تحت راية بلد واحد هو المملكة العراقية برئاسة الملك فيصل.
      ولا يعني ذلك مطلقاً أن العراقيين لم يكونوا ميّالين للوحدة وإنما يعني أن نزوع السوريين نحوها كان أشد انطلاقا من حقيقة أن سايكس بيكو قد ساهمت بتكريس تقسيم سوريا الكبرى إلى كيانات متفرقة (رفضت سوريا فتح سفارة لها في بيروت حتى فترة متأخرة), وأن زرع الكيان الصهيوني قد جاء لغرض الفصل ما بين بلاد الشام قبل غيرها من البلدان العربية, لذلك كان حماس السوريين نحو الفكر القومي حماساً بنيوياً ذاتياً, وكانوا بالتالي روّاداً في تبني الفكر القومي والدعوة له. أما العراقيون فكانوا في تلك الفترة متلقين لهذا الفكر أكثر مما كانوا رواداً له.
     وبعد ذلك، وإثر تصاعد تأثير الصراع ضد الصهيونية فقد أخذ التيار القومي في العراق يتصاعد وخاصة داخل صفوف الجيش، ومما ساهم بصعوده بروز الزعامة الناصرية في مصر بعد العدوان الثلاثي على إثر تأميم قناة السويس حيث راحت شعبية عبدالناصر عربياً تتصاعد بشكل صاروخي. وقد رأينا بعدها كيف أن السوريين قد مشوا بأرجلهم للوحدة مع عبدالناصر في حين راح السياسيون العراقيون برئاسة نوري السعيد يعارضون تلك الوحدة السورية المصرية ويتآمرون عليها.
    

  لكن الأمور عراقياً لم تقف عند هذا الحد, فالنزوع القومي كان أشد في المناطق الغربية عنه مما في الجنوب العراقي ومناطق الفرات الأوسط بسبب من ثنائية الطائفة. إن الشيعة بعد انهيار الدولة العثمانية لم يكونوا مهتمين كثيراً بالعامل القومي. في البداية نراهم لدوافع دينية وقفوا ضد الحلفاء إلى جانب العثمانيين وذلك عكس السُنّة الذين انضم سياسيوهم, وخاصة أولئك المتواجدين في اسطنبول من أمثال نوري السعيد إلى جيش الشريف حسين وغادروا مع ابنه فيصل إلى دمشق أولاً وبعدها إلى العراق, حيث لعب نوري السعيد دوراً مركزياً في مجابهة وحدة سوريا ومصر بعد أن كان عروبي التوجه في بدايته, ومن ثم صار عراقياً ومهتماً بقيام الاتحاد الهاشمي بين العراق والأردن ليس من منطلق قومي وإنما لغرض مواجهة المد القومي المصري السوري ومنسجماً مع الموقف البريطاني والغربي بشكل عام ضد وحدة مصر وسوريا (1958).
      وهنا فإن علينا أن نبحث الأمر بعيداً عن إطلاق التوصيفات الطائفية التي صارت العادة في يومنا الحالي أن نطلقها بشكل متعجل إما لسطحية التفكير أو للنيل من الخصم أو لمشاعر طائفية مضادة متأصلة, لأن موقف الشيعة من الدولة القومية أو الوطنية آنذاك كان محكوماً بما كان عليه وضع الطوائف العراقية تحت الحكم العثماني الذي امتد قبلها لقرون, والذي سمح بقيام كيان شيعي داخل الجسم العثماني للدولة, كما أن المشهد السني قد نتج بشكل موازٍ, ومع علاقة قيادييه بالدولة العثمانية, ومن ثم ضدها في مساندة الثورة التي قادها الشريف حسين وبمشاركة منهم فيها .
      وسوف يساعدنا ذلك على القول أن الجسم العراقي لم يكن محكوماً بعوامل الضغط نفسها التي كانت مسلطة على الجسم السوري أو الجسم المصري, وأن العراق الذي حمل مع جسمه الجديد مواطنين أكراد بحجم يقترب من رُبْعِه صار يبحث عن حل عراقي أكثر من الحل القومي.
   

   ويمكن من خلال عودة سريعة للتصنيف السياسي في العراق بعد سقوط الحكم الملكي مباشرة أن يمنحنا قدراً كبيراً من معرفة ناتج العقود الأخيرة. في ذلك المشهد السياسي كان أغلب القوميين هم من عسكر المنطقة الغربية والموصل في وقت كان فيه أغلب شيعة الجنوب والفرات الأوسط وبغداد مع الشيوعيين ومع عبدالكريم قاسم. وبينما كان الموقف العراقي من الوحدة محكوماً ومتأثراً بحدة بهذا التقسيم فإن الموقف السوري كان إلى حد كبير على النقيض أو فلنقل مختلفاً بحدة.
       إن غاية هذا التوصيف ليس التأكيد على وجود صراع شيعي سني طائفي في تلك الفترة, وإنما يهدف إلى القول إن هذا التقسيم الاجتماعي غير المُفعل, لا اجتماعياً ولا سياسياً, قد ساهم إلى حد كبير في تحديد إتجاه الفئات الاجتماعية من المسألة القومية, لأن الطائفية المفعلة سياسياً لم تكن قد نشبت أظافرها بعد في جسم المنطقة إلا بعد قيام الثورة الخمينية في إيران, أما قبل ذلك فكانت قد اقتربت لأن تكون (طويفية) اجتماعية غير مُفعّلة سياسياً. ولهذا, ولغيرها من العوامل التي أشرت إليها ولو على عجل, وحين كان الإتجاه القومي السوري طاغياً على اتجاهه الوطني فإن الإتجاه الوطني العراقي كان طاغياً على المشاعر القومية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    *تود “برقية” أنّ تؤكد لكثيرين سألوا من القراء الكرام، أنّ بإمكانهم، مطالعة جميع الأجزاء الأربعة السابقة من الدراسة القيّمة للدكتور المظفر في موقع “برقية” الذي يستمر تباعاً بنشر ما يصله من فصول كتابٍ يواصل المؤلف أطال الله عمره، ومنّ عليه بالتوفيق والسداد، عمله المضني في إنجازه.      

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى