إبداعثقافة وفنون

البعثيون وقضايا الإسلام وتاريخ الأمة القومي (4)

ــــــــــــــــ بقلم: الدكتور جعفر المظفر ــــــــــــــ

     ولم يمضِ سوى أقل من شهر على انفضاض المؤتمر (القومي السادس) حتى استثمر عبدالسلام عارف واقعية الصراع البعثي المتفاقم لقيادة انقلابه على نظام البعث في الثامن عشر من تشرين الثاني عام 1963 وذلك بمساعدة رجالات مؤثرين من الحزب نفسه مثل أحمد حسن البكر وحردان التكريتي وصالح مهدي عماش وطاهر يحيى.

    وكانت الكوارث التي ارتكبها الحرس القومي وهو ميليشيا الحزب وجناحه الضارب الذي شارك بفاعلية في محاصرة وزارة الدفاع في الثامن من شباط لغرض الإطاحة بحكم الزعيم قاسم قد أدت من جانبها إلى تصعيد الرفض الشعبي العام للنظام البعثي الذي لم يدم سوى تسعة أشهر.
        لقد إرتكب البعثيون جرائم واسعة بشأن خصومهم الشيوعيين خاصة, وفي أحيان كثيرة لم يكن بالوسع تفسير حدة تلك الجرائم كونها قد أتت فقط كرد فعل على الجرائم التي كان الشيوعيون قد إرتكبوها ضد البعثيين والقوميين وإنما كان الإغراق فيها تعبيراً عن سادية ثورية غذتها أفكار شمولية ونزاع عقائدي يتأسس ويتغذى من صراع الحتميات التاريخية التي يعتقد أصحابها أن التاريخ ملكهم الخاص وليس من حق أحد أن يشاركهم فيه.

    وفي هذا يتشارك الشيوعيون والبعثيون لصفة إيمانهم بالنظريات الشمولية التي تحتكر التاريخ وتغلق مساراته بأقفال أفكارهم ونظرياتهم وحدها, ولكونهم أيضا, أي البعثيين والشيوعيين سوية, يدينون بنظرية تنظيمية ذات طابع لينيني ستاليني تسمح للفرد أن يتحول إلى معبود وهي نظرية المركزية الديمقراطية.

    وفي محاولة واهمة لحل الأزمة المستفحلة بعد إزاحة عبدالكريم قاسم جاء عفلق إلى بغداد قبل إنهيار النظام بالكامل ليجد أن الأمة التي دعا إليها على طريقة (كان محمدا كل العرب, فليكن كل العرب هم محمد) ليست موجودة إلا في أحلامه ومخيلته, وفي أغلب الأحيان فإن قصص التفخيم والتعظيم التي تطرب صاحبها لا تقدم حلا بل تخلق مشكلة, وكان عليه أن يكتشف أن أولاده قد راحوا يتقاتلون فيما بينهم لأنهم إكتشفوا بعد زوال العدو الخارجي المتمثل بقاسم والشيوعيين أنهم بدأوا توا رحلة البحث عن أنفسهم التائهة في مخيلة عفلق الشاعرية الحالمة التي لم تقدم لأتباعها غير أحلام وردية كانت قد تحققت في زمانها ومكانها وبناسها ورسالتها.
ولو أن إستدعاء التاريخ ممكنٌ على طريقة عفلق لكان بإمكان إيطاليا أن تعيد عصر الإمبراطورية الرومانية المزدهر ولصار بإمكان اليونان أن تعيد عصر الإسكندر المقدوني, ولصار بإمكان الفرس أن يعيدوا عصر قورش والأتراك أن يعيدوا بناء أمتهم العثمانية, وكذلك الصين والهند. وهل سيكون ممنوعاً على المغول أن يستدعوا عصر جنكيزخان وهولاكو … وهكذا, مرورا بعصر الفايكنغ الدانماريكين الذي لم يتركوا في زمانهم قرية أوروبية إلا ودخلوها.


    والأمر الذي لا يمكن نكرانه أن تمسك البعث بالإسلام الثقافة والإسلام التاريخ العروبي هو أمر يمكن تفسيره وحتى قبوله إذا ما تم سبكه من خلال نظرية تعتمد البحث عن الحل في المستقبل لا على حلٍ ماضوي كان قد تكون وتحقق وتفَعّل وتشرعن في فترة تاريخية سابقة كانت محكومة بمجموعة من العوامل التي سمحت بوجود ذلك الحل.
     ولا يأكل من قيمة الإعجاب, وحتى الوله بنبي الإسلام, التأكيد على أن الحزب (العروبي) بحاجة إلى أن يجد نفسه من خلال هوية زمكانية حاضرية تعطي أهمية غير متناهية لأحكام الواقع الموضوعي دون أن تمنح الذات التاريخية الموروثة فرصة إسقاط نفسها على ذلك الواقع.
     وحتى أن التأكيد على قيمة التاريخ من أجل تحقيق نهضة حاضرية تبدأ من خلال التحرر من الاستعمار والطموح المشروع لبناء وطن بهوية عروبية سيكون ممكناً ومفيداً لو جرى الإلتزام بتاريخية تلك الهوية بعيداً عن قصة انبعاثها على أساس من عقيدة الرسالة الخالدة, لأن رسالة العصر بفكرها وعناصرها وعواملها ومقوماتها قد تكون مختلفة وحتى متخاصمة مع رسالة العصور السالفة.
      وهذا لن يعني أن رسالة (الماضي التليد والمجيد) لم تكن صحيحة ومفيدة حينها وإنما يعني أن إنتظار أن تحقق تلك الرسالة فوائد توازي ما حققته سابقا ستكون له أضرارٌ كبيرة, خاصة وأن (الأمة العربية) لم تكن لتتأسّس أو تنشأ إلا بوجود نبي برسالة وصحابة وظروف لا يمكن تكرار فاعليها وفعاليتاها السياسية و (التقدمية) وذلك لاختلافات وتحولات فكرية وقانونية وتشريعية أصابت العالم كله فحولت ما كان مشروعاً حينها إلى غير مشروع حالياً وما كان تقدمياً بمقياس تلك العصور إلى رجعي في عصورنا الحالية.
     وفي مقالة سابقة لي كنت قد أشرت إلى ذلك التحول الدراماتيكي الذي ينقل فئة ما أو طبقة إجتماعية من قائدة للثورة في مرحلة إلى معرقلة وكابتة لثورة المرحلة القادمة, وجئت بمثال تضمن ذلك التحول الذي نقل الفئات التي قادت ثورة العشرين وتأسيس الدولة العراقية من موقعها الثوري إلى موقعها النقيض بعد أن قـُيّض لها أن تحصل على نوعية المكاسب القبلية والإقطاعية التي جعلت منها حليفة للإستعمار البريطاني التي كانت قد ثارت عليه في بداية هيمنته العسكرية. والواقع أن فكرة أو فئة أو طبقة قد تكون تقدمية في مرحلة ثم تصير رجعية متخلفة في فترة لاحقة.


والآن فإنه ليس كثيراً عليَّ أن اقول إن هاجس (طغينة الذاتي الموروث على الموضوعي الفاعل) كان قد شغلني منذ اليوم الأول الذي إلتقيت فيه بالمرحوم الدكتور إلياس فرح عضو القيادة القومية للحزب بعد أن تقرر تنسيبي للعمل تحت إشرافه في المكتب الثقافي عام 1969 والذي كان قد تقرر أن يكون تحت مسؤوليته قبل أن يجري نقل تلك المسؤولية في العام الذي تلاه للمرحوم الشهيد عبدالخالق السامرائي.
      وما زلت أحتفظ للدكتور إلياس فرح بإعجاب وإحترام خاص فهو كان تميز بتواضع وأخلاقيات المفكرين, وكانت تجربته البعثية السورية, التي إنتهت به محكوما بالإعدام ومطاردا من قبل سلطة الإنقلابيين من مجموعة صلاح جديد – حافظ الأسد, قد جعلته يدرك أن هناك حاجة ماسة لمراجعة نظرية الحزب العقائدية والسياسية تأسيسا على إدراكه أن هزيمة الحزب القومية في سوريا في 23 شباط من عام 1966 لم تكن لتحدث لولا وجود أخطاء فكرية وتنظيمية جوهرية صار لازما إعادة النظر فيها.     ــــــــــــــــــــ يتبع ــــــــــــــــــ

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى