إبداعثقافة وفنون

البعثيون وقضايا الإسلام وتاريخ الأمة القومي (3)

                  ـــــــــــــ بقلم: الدكتور جعفر المظفر ـــــــــــــ

    إن القيادة القطرية التي كانت متماسكة في أثناء العمل للإطاحة بحكم الزعيم قاسم سرعان ما وجدت نفسها تائهة في مساحة غياب الهوية الإجتماعية الطبقية للحزب فانشقت عموديا إلى فريقين, فريق يتبع علي صالح السعدي المسؤول عن قيادة الحزب ويضم أعضاء قيادين آخرين مثل محسن الشيخ راضي وهاني الفكيكي, وفريق يتبع حازم جواد وطالب شبيب وإنضم إلى فريقهما عسكريون محافظون, أي يمينيون بلغة ذلك العصر, من أمثال عبدالسلام عارف رئيس الجمهورية ذا المنصب الشكلي, وأحمد حسن البكر رئيس الوزراء العضو في مكتب الحزب العسكري وعساكر آخرون من أمثال صالح مهدي عماش وحردان التكريتي .
    وأما الفريق الأول الذي تزعمه السعدي فقد ظهرت ميوله اليسارية واضحة وكان يدعو إلى تبني أفكار ذات طبيعة ماركسية. ولقد إنتصر المؤتمر القومي السادس للحزب الذي انعقد في دمشق في 5-23 تشرين الأول من عام 1963 لهذا الميل متبنياً خطابا إجتماعيا يؤكد على تبني مفهوم قيادة الطبقة الكادحة للثورة والحزب ومقتربا بشكل أكيد من النظرية الإجتماعية الشيوعية, الأمر الذي دعا عفلق إلى التأكيد على أنه لم يعد يتعرف على الحزب الذي كان قد أسسه.
وإلى حد كبير كانت عبارة عفلق تلك (لم أعد أتعرف على الحزب الذي أسسته) دليلا قاطعا على أن الحزب الذي أسسه لم يكن يملك نظريات اجتماعية واقعية رصينة بل هو يقترب من كونه مجموعة أمنيات تلمس شغاف القلب وليس العقل, وأما أولئك الذين تقاطعوا فيما بعد مع تنظيراته الخطابية فليس بالضرورة أنهم كانوا بديلا بالإتجاه الصحيح لكنهم بكل تأكيد كانوا تعبيرا عن حالة ضياع فكري عن مواجهة الواقع وغياب المقدرة على التعاطي معه.
     في 8 شباط من عام 1963 إنتصر الحزب على عبدالكريم قاسم ومجاميع الشيوعيين والوطنيين الذين كانوا يؤازرونه, لكن ذلك لا يعني أن المنتصرين كانوا هم الأفضل. على امتداد التاريخ كانت هناك صولات للباطل وصولات للحق, وكان النصر في كل الأحوال نسبياً. ولن يكون تأكيدنا على وهن مجموعة قاسم وهزيمتها دليلا على قوة الخصوم البعثيين, فالنصر بالعضلات ليس كما النصر في العقول. كما أن النصر الحقيقي يعني في كل الأحوال قدرتك أن تكون بديلا جيدا أو معقولا لعدوك. لذلك, فما أن انتهت معركة وزارة الدفاع بشكل سريع ومفاجئ وسقط الزعيم الخصم حتى تبين أن لا شيء حقيقي كان يجمع الجسم البعثي والعقل البعثي غير وجود الخصم القاسمي والشيوعي وغير خطاب ثقافي ينتقل بناسه من حاضرهم للبحث عن حل له في ماضيهم بدلا من أن يحثهم على البحث عن حل واقعي ومعاصر لذلك الحاضر المعاق.


وبإنهيار ذلك الخصم صار الحزب في مواجهة نفسه التي بحث عنها في المرآة حال سقوط الخصوم فلم يجدها بل وجد بديلا لذاته المفترضة مجموعة أقوام كان أكثر ما يجمعهم هو العداء لخصمهم. ووجد الحزب نفسه بالحق جسما بعضلات ولكن برأس صغير جدا. وماذا كان أصل المشكلة ؟.
إن بعضا من أصولها في العراق أن حزب البعث الناشئ حديثا لم تُترك له المساحة الزمنية للنمو والنضج من خارج مساحة الصراع مع الخصوم الشيوعيين والقاسميين, فنمت عضلاته على حساب عقله. ولعله لم يكن يحتاج إلى العقل في ذلك الصراع بل كان كل ما يحتاجه هو العضلات التي تعينه على إختراق أسوار وزارة الدفاع محمولا على أكتاف الأخطاء الشيوعية والقاسمية.
وما الذي كان قد وجده عفلق في بغداد قبل أن يصعد عبدالسلام عارف دبابته من جديد ليقود ما أسماه ثورة الثامن عشر من تشرين وينقلب على البعثيين لبناء عصر العراق العارفي. لقد وجد عفلق نوعان من البعثيين في قيادتهم القطرية العراقية المتناحرة, نوع كشّرَ في وجهه وإعتبره أصل المشكلة ولهذا فإن هذا النوع كان غير مؤمن أن بإمكان المشكلة أن تقدم حلا, ونوع إبتسم في وجهه نصف إبتسامة لأنه كان يؤمن بأن عفلق هو عبارة عن نصف حل ونصف مشكلة لذلك لم يسعد كثيرا بوجوده, وإضطر عفلق إلى العودة بعد أن أدرك أن أتباعه في العراق لم يلبوا نداءه الرومانسي لكي يكونوا (كلهم محمدا مثلما كان محمدا كل العرب) لأنه كان مستحيلا أن يعيد التاريخ نفسه إن لم تتوفر له نفس الظروف ونفس القوى ونفس أفكار وقوى الإنتاج ومستويات التفكير والبنى الإجتماعية, وهذه المرة أيضا لم يذهب عفلق إلى صومعته حتى يكتشف حلا أكثر واقعية لخطابه البعثي الرومانسي بل إستمر يغرد ويتحدث في فضاء ليس له علاقة بالجاذبية الأرضية.
أما صدام حسين فقد تنسب عضوا في مكتب الفلاحين بعد عودته من القاهرة, ورغم أن ذلك المكتب كان يحتل خانة أدنى من الخانات التي تحتلها بقية المكاتب, كالعسكري والعمال والطلبة, إلا أن الرجل لم يكن كغيره من أعضاء ذلك المكتب المتواضع. لقد منحته مشاركته في فريق إغتيال عبدالكريم قاسم عام 1959 أسبقية على غيره, كما أن التسعة شهور التي قضاها بالقرب من قريبه البكر رئيس الوزراء آنذاك, كانت فترة مليئة بالمشاحنات والمواجهات والتعسكرات والإنشقاقات والكولسة, وهي فترة جعلته يدرك عن قرب طبيعة أزمة الحزب ويرسم لنفسه صورةً للحزب الذي يريد.
   وقد جعلته تلك التجربة المكثفة والقريبة جدا من مراكز الصراع والإستقطابات وجدل الأفكار يبدو وكأنه أكبر من سنه عمرا وتجربة. وأكثر الظن أن إدانة القيادة القومية للحزب لعملية إغتيال عبدالكريم قاسم وفصل أغلب القائمين عليها من أعضاء القيادة بشكل خاص قد طبعت تجربته الحزبية بطابع أزمة الثقة التي ساهمت بتكوينه الشخصي بعيدا عن الإلتحام مع جسم الحزب وعقيدته, فالملحمة التي كان يعتقد بأنها ستصبح مفصلا تاريخيا هاما صارت بتقييم قيادته العليا ليست أكثر من حادثة إغتيال سياسي مدان وأقرب إلى التهور منها إلى العمل السياسي المشروع.
ومن داخل ذلك المشهد المليء بالإحباط والألم والمرارة وخيبة الأمل قرر صدام أن يبني حزبه الخاص من داخل حزب البعث على حساب حزب البعث.
إن ثمة ما يجب الإستشهاد به هنا لمعرفة كيف جرت الأمور بعدها. صدام حسين من جانبه جاء من مجتمع ريفي قبلي وقد ولد وتربى في دار لا علاقة لها بالدين ولا بالطوائف, وقد تأكد من خلال أكثر من عقد في السلطة أنه لم يكن قد حفظ آية قرآنية واحدة, وما عدا خاله القومي العنصري فإن البقية من أخوته وأقاربه في العوجة كانوا على شاكلته بكل تأكيد, وقد قضى كل سنوات عمره السياسي قبل إستلامه السلطة في بيئة لا يشكل الدين فيها محورا أساسيا مؤثراً.
     ويمكن التأكيد دون تردد على أن الرجل هو الذي تحمل الجزء الأكبر من مسؤولية إعادة بناء الحزب من جديد دون أن ينتقص ذلك من دور الآخرين وفي المقدمة منهم عبدالخالق السامرائي وعبدالكريم الشيخلي وصلاح عمر العلي وآخرين كانوا قد كرسوا كل السنوات الخمس التي تلت سقوط جمهورية البعث الأولى وإلى سنة تأسيس جمهوريته الثانية في عمل متواصل من أجل الهيمنة مرة أخرى على السلطة.
ولأنني لست معنيا في هذه المقالة سوى بالتوقف أمام المشاهد المفصلية في حياة الحزب وخاصة تلك التي لها علاقة بقضايا علاقة الحزب بقضية الدين والطائفية أجد أن من الأفضل أن أشير إلى الحقائق التالية : إن صدام حسين لم يكن طائفياً إلى حين انفجار طائفة الشيعة ضده.
                                   ـــــــــــ يتبع ـــــــــــ

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى