تحليل معمّقتحليلات

منطق الصِّدام في زمن ما بعد الرئيس صدام

“برقية”- بقلم صباح اللامي: بعد 2003 ، سنة الاحتلال، وسقوط النظام، وانتشار الفوضى، اندلع أول الصِّدامات -سرّاً وعلناً- بين إسلاميي إيران ووكلائها وبين البعثيين. ثم تفجّر شيئاً فشيئاً صِدام الانتقام “الشيعي الأعمى وغير العفوي، المُحرّك إيرانياً، وكويتياً، وإسرائيلياً” من رجالات النظام السابق، وعلمائه، وطيّاريه، وأكاديمييه، وخبرائه، تحت ادعاءاتٍ، وأكاذيب، وافتراءات لا حصر لها. وكان هذان الصدامان، مداد جحيم ما سُمّي ب “الحرب الطائفية”، ووقودها وحجارتها!.

       لكنّ الحقيقة هي أن أغلبية مجتمعية على امتداد البلد أدركت، لكنْ في أعقاب خمس سنين طاحنة، أنها تكاد تفقد “وطنيتها  العراقية”، وتنحدر نحو انتماءات يمتد بعضها إلى خارج حدود البلد!. وليس بعيداً عن الحقيقة القول إن إيران كانت صاحبة الحصة الأكبر في استقطاب المرتزقة وتحويلهم إلى  “جحوش طائفية” مسلفنة ب “المظلومية”، ومشحونة ب “الحقد الطائفي الصفوي” في إطار خطة خبيثة لتحويل الشيعة إلى عبيد للفرس، وممارسة أقسى أساليب الضغط على السُنّة لاستقطاب بعضهم وتحويلهم مذهبياً، ولتشريد جزء آخر وتهجيره، ثم لإبقاء الجزء الثالث واهناً، خائفاً من تهمة أل 4 إرهاب، والعمالة للسعودية، أو التهديد بالانتماء للبعث!.

      كانت لهذه الصدامات “خاصيّة الإفناء” بالاجتثاث والسحق  والتدمير والإبعاد والتعذيب الوحشي والنهب والابتزاز  في عموم مدن العراق منذ سنة الاحتلال المأساوية، وحتى وقتنا الحاضر ، حتى لقد قاربت أعداد القتلى والجرحى، أعدادَ ما نجم من ضحايا في حرب الثماني سنين مع إيران!.   

     وليس من المستبعد أن تتفاقم الصِدامات نفسُها على نحو غير مسبوق بعد اكتمال انسحاب قوات الاحتلال الأميركي بشكل كامل من الأراضي العراقية. وحينئذٍ سيخلو المناخ بالكامل لإيران التي تهيمن على نحو سبعين ميليشيا. وساعتها سيصبح الشيوعيون  والعلمانيون (وفاق د. إياد علاوي مثلاً) مهدّدين بالقتل إذا ما حاولوا التأثير في السلطة، أو الإمساك بزمامها. أما مصطفى الكاظمي الموهوم بالقدرة على الفوز انتخابياً والبقاء في منصبه رئيساً للوزراء، فإنه سوف “يُجَلَّق”، كأيّ جربوع ذليلٍ مهان. وإذا ما سُمحَ له بالبقاء، سيكتفي بكرسي نائب يعمل طبقاً لمقتضيات الهدف الفارسي للهيمنة المطلقة على العراق!.

       ولعلّه من المناسب هنا التذكير بأن الصدامات الداخلية لفترة 1968-2003 اتّسمت فقط بالطابع السياسي سواء مع الشيوعيين، والأكراد “البارتيين”، أو مع الإسلاميين الشيعة “حزب الدعوة”، والسنة “الإخوان المسلمين” ومن ثم “التغلغل الوهابي”. ولم تكن دوافع الصدام، دينية أو طائفية، ولا قومية أو إثنية، إنما كانت صراعاً سياسياً محضاً بين السلطة والمعارضة، وإدراكاً تقدّميَ الطابَع، بضرورة إبقاء الدين بعيداً عن الحُكم، بموجَبِ حكمةٍ، مفادها “الدين لله والوطن للجميع”.  

       واتسمت فترة حكم البعث الأولى القصيرة جداً من 8 -شباط-1963 حتى 18-تشرين الثاني من السنة نفسها، برغم اصطباغها بأعمال عنف واعتداءات وخروقات للقانون من قبل “الحرس القومي” البعثي في أعقاب تجربة عنف “المقاومة الشعبية” الشيوعية، زمن عبد الكريم قاسم، اتّسمت بالتحالف مع كبار الضباط القوميين الناصريين، وأبرزهم عبد السلام محمد عارف، فيما اتسمت الفترة الطويلة لحكم البعث الثانية من تموز 1968 إلى نيسان 2003، بإشراك الحزب الشيوعي العراقي، والقوميين، والبارتيين “الحزب الديمقراطي الكردستاني” و”الاتحاد الوطني الكردستاني”، وممثلي حركات سياسية أخرى!.    

     ولم يُقر النظام الوطني في أي فترة، قادها أحمد حسن البكر، أو صدام حسين، بأي صيغة من صيغ التحالف مع الجماعات الدينية، أو دعمها حتى عندما ناقشت القيادة القطرية للحزب مسألة السماح بنشوء أحزاب سياسية، إذ وقف الرئيس صدام حسين بصلابة حيال آراء تسمح بتدخل الدين في السياسة، برغم أنه كان يؤكد أن البعث مع الإيمان وضد الإلحاد، كما كان مؤسس البعث ميشيل عفلق، يؤكد من قبله أن الإسلام جوهر العروبة، مشدّداً في نظرته الانقلابية-التغييرية على القول “كان محمد كل العرب، فليكن كل العرب محمداً”. وربما يكونُ لحديثنا صلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى