إبداعثقافة وفنون

قل لي من أيّ بلد أنت أقلْ لك من أنت؟!

         ـــــــــــــ بقلم: أ.د مزهر الخفاجي ـــــــــــــــ

هذا مثل فرنسي واجهني به أحد سفراء فرنسا في اليونسكو وأنا أتحدث عن ذكاء الشعوب وتفاعلها مع نظرية (التحدي والاستجابة) للمفكر ارنولد توينبي …قال بالحرف الواحد “العراقيون أذكياء وليس هناك شك في ذلك”، فأجبته محاولاً تخفيف فكره أو مفهوم الأنا …أو نحن لنا الريادة في كل شيء …فقلت ياسيدي (رالف لينتون) وهو احد علماء الإنثربولوجيا من أبناء جلدتك …قال إنّ العالم وتحديداً الحضارة كانت قد حلّقت فيه قديماً منذ بدء الخليقة بجناحي الطائر الحضاري واقصد حضارتي وادي الرافدين ووادي النيل ..

   أردف السفير الفرنسي ؛ لكن وطنكم ..كان أيها الرافدانيّون صانع الحياة ، الأمل ،الكتابة ، القانون

وأضاف أنتم أيها العراقيون “صُنّاع وجود وصُنّاع فكر وصُنّاع حياة” حقاً وحقيقة، فقوانين زعماء صناع حضارة الأغريق أمثال المصلح (دراكو)  أما زعماؤكم ،واقصد أبطالكم مثل (أوركاجينا) فقد كانت وثيقة قد  أرست مبادئ العدل بين الناس والتسامح في العيش المشترك والقبول ، أي قبول الآخر ، فـ (دراكو) قرر الموت للجائع حين تمتد يده إلى المال …اما أوركاجينا فأوجد له فرصة العمل ولم يبرّر السرقة بل أوجد العقد الاجتماعي الذي ينظمها وكانت مبادئه قد أرست قواعد الحقوق والحريات …وأردف ممثل اليونسكو …الأول حاكم ظالم ، ويقصد (دراكو) والآخر (اوركاجينا) كان زعيماً بطلاً وعنفوان بطولته، أنهُ دفع حياتهُ دفاعاً عن فقراء بلده …ورغبة في الوقوف أمام الفاسدين والذين كانوا يسرقون غَلّة أهله وخيراتهم ويتصرفون بأقدار الناس أولاءِ الذين مارسوا إقطاعاً سياسياً واقتصادياً يزاحم دولة الفقراء.

   وقاطعت البروفيسور الفرنسي قائلاً يا سيدي …أنت ذكّرتني بأنَّ احتفاء أهلي في العراق بأبطالهم الشعبيين ليس هوساً اجتماعياً أو خللاً عاطفياً وهو ينطبق مع مقولة (برتراند رسل ) في كتابهِ السلطة والفرد، والذي يقول فيه : إنّ التماسك الاجتماعي محكوم بعدل الحكّام ( أو الحكومة ) وإن الأداة الاولى للتماسك الاجتماعي مازالت تعمل عملها في الشعوب البدائية، فالناس قديماً وحتى حديثاً أمام خيارين ، (مستبدٌ مستنير أو بطلٌ شعبي )، ولهذا فإن  العراقيين محبون للحرية وحريصون على أوطانهم ومدنهم وهم كثيراً ما عشقوا أبطالهم لكنهم في الوقت ذاته قلقون في تعاطيهم  مع أبطالهم أو قل مع زعمائهم، إذ أنهم كثيراً ما كانوا محاربين أشداء لاسترداد حقهم  في الحرية. لكنّ البروفسور الفرنسي قاطعني قائلاً: إنّ صناع الحياة من أهلكم كانوا بارعين في ترويض الاستبداد أو قل التماهي معه، وإن التماهي هو الذي روّض الاستبداد، وأكسبه بُعداً إنسانياً فأهلُكَ كانوا قد أجبروا أبطالهم وزعماءهم على أن ما سيخُلّدهم هو العمل فروضوا ملوكهم …وأشروا لهم أن من الممكن لهم أنْ يخلدوا أنفسهم في معمارين (بناء العقل وبناء الحياة )،. فكانوا بنّائين مَهرة وأوصوا ملوكهم بأنّ الحياة تحتاج أنْ (يُروّض الطوفان) فهو ما كان يهدد حياتهم …فعملوا على بناء مشاريع الري وبرعوا في بناء السدود العظيمة فيها…وذكروا في مدوناتهم أن الحكم يقتضي العدل لأن العدل كما يقول المثل السومري (الضعيف أظهر لهُ العطف).  

كما في المدونة الإسلامية إن (العدل أساس الملك) فانبرى ملوكهم الى بناء القوانين والأدهى من ذلك أن مدونات أبطالكم لم تكن سِفْراً في العدوان … ولكن سفراً طويلاً في الدفاع عن حياض النهرين …فتقول الحكمة الأكدية ، ( لا تعمل الشر فلن يجلب لكَ إلا غماً مستمراً).

     وما أن انتهى السفير من كلامه … بادرتُه بالسؤال: سعادة السفير الناس يعيّروننا بأبطالنا ويضيفون أنهم هم الذين كان لهم الفضل الكبير في قيام حضارتنا … وأنا اقول إذا كان النيل هبة مصر والذي يقول فيه المؤرخ ( هيرودت) إن مصر هبة النيل وهو ما أكده العالم المصري جمال حمدان في كتابه عبقرية مصر في أنّ حضارة مصر كانت عبقرية مكان …فأنا بناءً على ما قلت، أقول إنّ العراق “عبقرية إنسان” …هذا الإنسان الذي حيّر جاره الحاسد الحاقد وروّض نهريه الغاضبين ..واستطاع الرافدانيّ الفقير أنْ يتباهى مع أبطاله وزعمائه قبولاً فعلى اسم العراق وأخرى مناكفة فانطفأ عطاؤه الناجز ..

ولكن السفير أصر قائلاً:

   الرافدانيّ الانسان والرافدانيّ النهر والمكان والرافدانيّ بناءً ومنجزاً لم يكن الا كدحاً حقيقياً لإنسان حقيقي عاش تحت خيمتي البطل الشعبي او البطل المستبد المستنير. لكنني ما إنْ تركتهُ حتى هبط على مخيلتي سؤالان: هل نبقى أسيري الريادة في كل شيء؟ … في حين أن الواقع يخذل بمشاهدهِ الجميع … وهل نحنُ أولائك الأبناء البررة من جيل الأبطال الشعبيين والمستبدين المستنيرين أم نحن غير ذلك؟ .. الواقع لم يخذلني كثيراً في هندستي معاني سؤاليّ السابقين فالحبل السُرّي الممتد من أرومة أولائك الأبطال صبراً وحماسةً وفخراً وإرادة قد يجعلني أنا من أبناء أولائك الأبطال ( فالمُوزمات التي مر بها العراق منذ آلاف السنين كانت قد حولت غيره الى بلاد مِلل ونحل … أما العراق فرغم البلاء والبلايا مازال يسير بهدوء الصابر واتّكال المؤمن بقدره والقابض على وطنه بكلتا يديه والذي يحرس بلده بكلتا عينيه ويدعو رب السماء صباحاً مساء أن يحفظ مهجة قلوبنا، العراق )!.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى