إبداعثقافة وفنون

البعثيون وقضايا الإسلام وتاريخ الأمة القومي (2)*

ـــــــــــــــ بقلم: الدكتور جعفر المظفر ــــــــــــــــــــــ

      في الطريق إلى مكتب عفلق في مبنى القيادة القومية الفخم نهاية منطقة الجادرية في بغداد تذكرت أيام عملي في المكتب الثقافي يوم كان المغدور عبدالخالق السامرائي رئيسا للمكتب قبل أن يحتل صدام حسين موقعه. وكنت أرى السامرائي أثناء عملي في الدار التي شغلها المكتب الثقافي والواقعة على جانب الكرخ من دجلة على مقربة من القصر الجمهوري حيث خصص لي غرفة إلى جانب غرفته.
     وكثيرة هي المشاهد التي أتذكرها هناك, وكانت أحداها تلك التي جمعتني مع صديقي السوري المرحوم زهير البيرقدار عضو المكتب الثقافي الذي صار بعدها سفيرا للعراق في ألمانيا الديمقراطية ثم مديرا عاما برفقة طارق عزيز العضو الثاني في المكتب الثقافي, والذي صار بدوره وزيراً للخارجية بالإضافة إلى مهمته كنائب لرئيس الوزراء.


     وسأستدعي هنا واحداً من تلك المشاهد لحساسية ما يعنيه. فإذ كنا نتطلع إلى حديقة الدار من غرفتي المطلة على ضفة دجلة, وكان يفصل الغرفة عن الحديقة ممر ضيق يلتف كحزامٍ حول الدار, فإذا بنا برجلين يقطعان الممر جيئة وذهابا ولا يفصلهما عن شباك غرفتي سوى قدمين أو ثلاثة.
      فأما الأول فقد كان صدام حسين وأما الثاني فقد كان عبدالخالق السامرائي.
نظر البيرقدار إلى الرجلين اللذين كانا منشغلين بالحديث, ثم قال كمن يحاول أن يبتلع كلماته:
    الله كم سيكون رائعاً لو أن علياً ومعاوية سيتفقان هذه المرة خلافاً للمرة السابقة.
حدث ذلك الأمر قبل يوم الغدر بالسامرائي بسنتين, حتى كأن البيرقدار كان يقرأ طالع الحزب والعراق في فنجان القهوة الذي كان أمامه. وربما كان الرجل السوري قد زفر حسرته من رئة كانت قد عاشت أحداث الإنشقاقات التي عاصرها في بلده ووقائع الغدر والغدر المضاد, لكن قراءته هذه المرة كانت تعتمد على واقعية التناقض المرئي بين الرجلين, صدام حسين وعبدالخالق السامرائي, لذلك تساءل :
وهل يلتقي الجبلان ؟ وكانت جملته الأخيرة عنوان مسلسل تمثيلي يعرضه التلفزيون العراقي في ذلك الحين.
والسامرائي كان هو الرجل الذي بذل جهوداً مكثفة لتجديد هوية الحزب الإجتماعية وقاد عملية إصلاح العلاقات المتأزمة مع الحزب الشيوعي إضافة إلى مبادراته المكثفة لعقد المصالحة مع الثوار الأكراد التي انبثق عنها بيان الحادي عشر من آذار والذي تم بوجبه منح الأكراد العراقيين حكما ذاتيا ضمن الدولة العراقية. كما وكان أيضا هو الرجل الذي حاول أن يحرس الحزب من خطر إبتلاعه من قبل السلطة وحذر من ذلك في كراسه الشهير (لكي لا تبتلع السلطة كوادر الحزب). ثم إذا بالسلطة تبتلعه وتبتلع الحزب في لقمةٍ واحدة.
   وفيما بعد فقد اكتشف الكثير من البعثيين أن اليوم الذي تمت فيه إزاحة عبدالخالق السامرائي بتهمة المشاركة في محاولة ناظم كزار الإنقلابية هو اليوم الذي أرّخ لنهاية مشروع البعث في العراق ومهّد الطريق لهيمنة عصابة العوجة.
وأحسب لو أن العمر كان قد امتد بالسامرائي طويلا لما ظل حبيسا داخل النص البعثي المُتيّبِس, وهو نصٌ كان قد ألقى القبض على الحاضر والمستقبل ليضعهما في سجن التاريخ بدعوى إمكانية إنتاجهما من جديد تحت عنوان (كان محمد كل العرب فليكن كل العرب هم محمد).
    الواقع أن محمدا لم يكن كل العرب. كما وكان مستحيلاً أن يصير كل العرب هم محمد. وحتى مع الأخذ بنظر الاعتبار أن يكون عفلق قد صاغ تلك الجملة من باب البلاغة, فإن ترنيمة لغوية بهذا الشكل قد تصلح لعالم الشعر لكنها لا تصلح لعالم السياسة, أوقد تصلح لعالم الفلسفة الإفلاطونية الحالمة ولا تصلح لعالم الحقائق المتغيرة التي بإمكانها أن تصنع الأمم في عالم لم يعد فيه مكانٌ للأنبياء.
     لقد وضع عفلق الأمة على طريق مُتعِبٍ ومسدود. وبدلا من أن يَعتِق حزبه من صراع الحتميات التاريخية وحكاية (كان – فليكن) ثم يدعه يفتش عن نفسه وسط حقائق العالم المتغير من أجل أن يتكيف معها بالمرونة التي تجعله قادراً على أن يحقق أهدافه تدريجياً, بدلا من ذلك رأيناه وهو يقولبه بمعطيات سبق للتاريخ وإن أنتجها تأسيسا على معطيات مختلفة وعلى قوانين حركية متغيرة ومتبدلة وتماهيا مع حالة ما كان لها أن تتحقق إلا في ظل وجود نبي ودين.
لقد كان عليه بدلا من ذلك أن يصيح .. أيها العرب لا تلتفتوا إلى الخلف, فقد يذكركم ذلك بماضٍ لا تستطيعون إستعادته, وليس بإمكانه أن يعود, وربما ستجعلكم تلك الإلتفاتة تعيشون في عالم المخيلة حيث الماضي فعل ماضي, وحينها لن تستطيعوا العودة لأنكم كنتم قد حلقتم بعيدا في عالم الخيال وخرجتم عن مدار الجاذبية الأرضية وتمردتم على قوانينها.
   بدلاً من ذلك رأيناه وهو يصيح على العرب : كان محمد كل العرب فليكن كل العرب هم محمد.
   وإن ذلك لن يتقاطع حتما مع سعي الحزب لإقامة دولة أو أمة عربية واحدة إلا إذا جعلنا الماضي, وخاصة إذا كان تليداً وقتها, يتحكم بمعطيات الحاضر, وإلا إذا ما استبدلنا قوانين الحاضر بقوانين الماضي وأجبرنا العالم أن يقبل بها. وكانت بدايات الأخطاء حينما أراد عفلق الحالم, أكاديمي الفلسفة, إعادة البشر إلى عالم النبوة, فلا عالم النبوة كان بإستطاعته أن يأتي إلينا ولا كان بإستطاعتنا أن نذهب إليه.
    أما الوحدة فقد كان بإمكانه أن يجعلها مشروعا مقدورا عليه حينما يُنظِّرُ لها كمشروع يستدعيه المستقبل ويتمكن عليه, وليس بحكم أنها كانت قد تحققت في الماضي وبإمكانها أن تصير مجدداً وذلك بقوة الدفع التي يختزنها ذلك الماضي. ولم تكن نظرية الحزب هذه, المقررة على ضوء قوانين الحتميات, بعيدة عن الفوضى التي دخل فيها العراق على أثر سقوط النظام الملكي عام 1958.
إن عبدالكريم قاسم يتحمل نصيبه من تلك الفوضى .. نعم, إلا أن إعادة ترتيب الأمور وفقَ أسبقياتها ستجعلنا نتيقن حتماً إن الحزب وبالتنسيق مع عبدالسلام عارف, الحالم بتسيد العراق, ومجاميع القوميين الذين بايعوه يتحملون النصيب الأكبر من تلك الفوضى, وقد كنت أنا منهم صبياً يتعلم تواً فن المشي.
 

    لقد أدى دخولهم على خط الصراع وهم يحملون رايات الحتميات القومية مطالبين بالوحدة الفورية مع الجمهورية العربية بقيادة جمال عبدالناصر إلى دفع الأطراف السياسية الأخرى وفي المقدمة منها الحزب الشيوعي ذو القاعدة الجماهيرية الواسعة للإلتفاف حول عبدالكريم قاسم ومؤازرته وهو يسعى لحماية جمهوريته الفتية.
وحينما هيمن البعثيون على السلطة في شباط من عام 1963 فقد غاب العدو الذي كان يوحدهم. وفوراً إكتشفوا أن شعار الأمة الواحدة ذات الرسالة الخالدة لن يسعفهم لإدارة نظام سياسي سرعان ما سقط ثم راح الكثيرون من قادته يبحثون عن أنفسهم خارج النص البعثي الشعاراتي والخطابي.
     وليس الموقف من قضية الإسلام هو الوحيد الذي ظل معلقا وغير محسوم في عقيدة الحزب وفي خطابه الثقافي, فالإشتراكية والموقف من الصراع الطبقي ظلا هما أيضا يتأرجحان في المساحة الوسط. وحينما كانت تُحسب للحزب نقاطٌ لصالحه ضد غريمه الشيوعي في المواجهات ذات الطابع الديني فإن البعث كان يخسر عدة نقاط في حال المواجهات ذات الطابع الإجتماعي الطبقي, ولذلك فما إن فرغ الحزب من صراعه ضد نظام الزعيم عبدالكريم قاسم وأسس جمهوريته الأولى حتى صار في مواجهة الأسئلة الكبرى التي لم يكن مضطراً للإجابة عليها قبل إستلامه الحكم.
    لقد ذهبت السكرة وجاءت الفكرة. إن القيادة القطرية التي كانت متماسكة في أثناء العمل للإطاحة بحكم الزعيم قاسم سرعان ما وجدت نفسها تائهة في مساحة غياب الهوية الإجتماعية الطبقية للحزب فانشقت عمودياً إلى فريقين, فريق يتبع علي صالح السعدي المسؤول عن قيادة الحزب ويضم أعضاء قياديين آخرين مثل محسن الشيخ راضي وهاني الفكيكي, وفريق يتبع ناظم جواد وطالب شبيب وإنضم إلى فريقهما عسكريون محافظون, أي يمينيون بلغة ذلك العصر, من أمثال عبدالسلام عارف رئيس الجمهورية ذي المنصب الشكلي وأحمد حسن البكر رئيس الوزراء العضو في مكتب الحزب العسكري وعساكر آخرون من أمثال صالح مهدي عماش وحردان التكريتي. 

                               ـــــــــــــــ يتبع ــــــــــــــــ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 *”برقية”: يمكن للقراء الكرام، الإطلاع على الجزء الأول، وننتظر المزيد من الأجزاء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى