تحليل معمّقتحليلات

البعثيون وقضايا الإسلام وتاريخ الأمة القومي (1)

ــــــــــــ بقلم: د.جعفر المظفر ــــــ

      عام 1975 عدت إلى بغداد في إجازتي السنوية بصحبة السيد (م.ج), وهو رجل بعثي فلسطيني كان قد عمل سابقاً سكرتيراً لميشيل عفلق ثم إلتحق مثلي لأكمال دراسته العليا وصار نائباً للمسؤول عن تنظيم الحزب في الولايات المتحدة وكندا.
     كان المرحوم (عفلق) قد فرغ تواً من نشر كتابه المعنون (البعث والتراث) الذي عاد لكي يؤكد فيه على المقولة التي طالما اعتبرها حجراً أساسياً في فكر الحزب وعقيدته والتي أكد فيها على أن (العروبة جسد روحه الإسلام).
    ومع مقولة (كان محمد كل العرب فليكن كل العرب هم محمد), التي شكلت ثيمة لخطاب كان عفلق قد ألقاه على مدرجات جامعة دمشق في (ذكرى الرسول العربي), فإن المقاربة النظرية التي حاول الرجل من خلالها أن يستدعي تاريخ العرب, يوم تشكلت أمتهم من خلال الإسلام, وذلك لغرض أن يبعث الروح في حاضرهم الممزق والمتهالك, هذه المقاربة كانت قد شكلت في الوقت عينه إحدى أهم الإشكاليات التي واجهها الحزب والتي سيظل يواجهها حتماً.


     لقد ظلت علاقة الحزب مع الإسلام مفتوحة على مصراعيها وتتحرك في الوسط ما بين الإسلام الدين والإسلام السياسة. ولدى البعض من البعثيين فقد كان صعبا التمييز بين الإسلام كدين وبين الإسلام كتاريخٍ لأمةٍ بمشاهد سياسية وأخلاقية لا علاقة لها بالطقوس, حتى بات ممكنا رؤية الحزب وكأنه تجمع سياسي أكثر منه حزباً بعقيدة متماسكة, وصار ممكنا أن تضم الحلقة الحزبية الواحدة أعضاء متمسكين بالدين إلى حد التزمت وآخرين قد يكون بينهم من لا يؤمن بقضية الأديان, وحتى أن يكون ملحدا بالسر أو بالعلن.
     وأجزم أن الهوية الدينية لميشيل عفلق, كونه مسيحياً, وآخرين من أمثاله كالدكتور إلياس فرح, قد أعطت في البداية دفعة من الشحنات الإيجابية لصالح الحزب, فلقد شكلت تلك الهوية صمام أمان لكي لا ينجرف الحزب على طريق الأسلمة ثم يتحول تدريجياً إلى حزب إسلامي الهوية بدلاً من أن يكون علمانياً بحدود إيمانه بفصل الدين عن الدولة.
    وبتأثير من انغماسه بالفكر والتنظير فإن عفلق, وإن كان قد أفلح في التركيز على العلاقة الجدلية ما بين الإسلام كتاريخ وثقافة وتراث, وحاول حثيثا إعادة تفعيل موضوعة العروبة من خلال إستدعاء التراث الأخلاقي والسياسي الإسلامي يوم إستطاع العرب بناء مجدهم الغابر من خلال نشر الإسلام, إلا أن ذلك التفعيل ظل هشا لأنه لم يفلح تماماً في بناء الولاءات البعثية بإتجاهات تعتمد على فك الأشتباك كاملا ما بين الإسلام كدين والإسلام كتراث وتاريخ.
      ولأن المراحل التي مر بها الحزب قبل إستيلاء الخمينيين على السلطة في إيران لم تكن قد أذنت بعد لنمو وتصاعد التيارات الإسلامية والمذهبية فإن الخطاب الثقافي للحزب لم يكن قد وجد نفسه بعد في مواجهة ضغط تداعيات وإرهاصات المرحلة الدينومذهبية التي تجبره على المزيد من فك الإشتباك ما بين الدين كعبادات وطقوس وبين الإسلام كتاريخ وسياسة وتراث, أو تجبره حتماً لترك مساحة العلمانية والدخول جهراً في مساحة الدين الإسلامي وتعريض صفوفه ومناصريه إلى التحزب الطائفي, كُلٌ مع طائفته.


      وفي مواجهته الساخنة مع الشيوعيين وبخاصة في العراق في السنوات الأولى ما بعد سقوط الملكية فإن الحزب إستطاع أن يكسب الكثير من الجولات المؤثرة بفعل ولائه للعلاقة الجدلية ما بين الإسلام والعروبة. أما الشيوعيون, الذين كانوا يعملون تحديدا بقوة الصراع الطبقي, فقد ظلت خواصرهم السياسية رخوة وقابلة للنزف في اية مواجهة يجري فيها توظيف قضايا الدين ضدهم.
إن فتوى المرجع الشيعي الأعلى السيد محسن الحكيم, في أثناء حكم عبدالكريم قاسم, والتي أكد فيها على ان الشيوعية هي كفر وإلحاد, والتي عَنَتْ من ناحية المضمون دعوة عوام الشيعة للإبتعاد عن الشيوعيين, سرعان ما أدت إلى تراجع شعبية الشيوعيين الساحقة بين صفوف العراقيين من الشيعة. وقد سجل البعثيون والتيار القومي بقوة تلك الفتوى نقاطاً مهمة وحاسمة في معركتهم الدامية ضد نظام الزعيم عبدالكريم قاسم وضد خصمهم الشيوعي اللدود.
     لكن أمر الحِزبَيْن, البعث والشيوعي, مع شيعة العراق يجب أن يحسب بطريقة واقعية وموضوعية منصفة, ففي أثناء السنتين الأوليين لحكم الزعيم عبدالكريم قاسم الذي استمر لخمس سنوات إستطاع الشيوعيون ان يجدوا لهم مكانة واسعة بين صفوف العامة من الشيعة في حين ظل البعثيون محصورين إلى حد كبير في مساحة النخبة.
    ولا يمكن إنكار حقيقة أن عناصر من الشيعة هي التي لعبت الدور الأبرز في عملية تأسيس حزب البعث في العراق مثل المهندس فؤاد الركابي المسؤول حينها عن قيادته القطرية وإبن عمه العضو في القيادة القطرية عبدالله الركابي إضافة إلى رجال آخرين من أمثال إبن النجف الدكتور محسن الشيخ راضي وإبن كربلاء البعثي المخضرم الدكتور سعدون حمادي, كما ويمكن الإعتماد على نسبة عدد أعضاء القيادة القطرية من الشيعة التي أسقطت نظام عبدالكريم قاسم, يوم شكلوا خمسة من أعضائها التسعة, لكي نخرج بالنتيجة التي ستؤكد لنا على أن طبيعة البيئة الإجتماعية العراقية آنذاك كانت قد بدأت بالإنتقال من ساحة الولاءات الدينية والمذهبية إلى ساحة العمل الوطني.
     إن هؤلاء الخمسة من القيادين البعثيين من الشيعة كانوا قد أنتخبوا بأصوات بعثية أغلب أصحابها من السنة. كما أن الأغلبية من الشيعة الذين آزروا أو إنضموا إلى الشيوعيين كانوا مدفوعين إلى ذلك بفعل ولائهم للزعيم قاسم (السني) الذي يناهضه القوميون والبعثيون, ولأن الغالبية منهم كانت من فقراء العمال والفلاحين الذين إستهوتهم الشعارات الشيوعية.
     وإن الأمرين معا, تأييد البعثيين أم تأييد الشيوعيين, بين العامة من السنة أو الشيعة كان يعبر في الحقيقة عن تراجع الخطاب الطائفي بشدة امام سمو الخطاب الوطني نفسه.
      يقول طالب شبيب العضو في القيادة البعثية التي أسقطت عبدالكريم قاسم في شباط من عام 1963 والذي صار وزيرا لخارجية العراقي في الصفحة 300 من كتابه (من حوار المفاهيم إلى حوار الدم) : لم نكن نعرف في داخل القيادة من هو الشيعي ومن هو السني, حتى أني لم اعرف ان هاني الفكيكي (عضو القيادة القطرية) كان شيعياً الا في عام 1984 أما علي صالح السعدي فانا ما زلت غير متيقن هل ولد شيعيا ام سنيا.
     ويحسب للدولة الملكية أمر النجاح في إحداث تلك النقلة حيث عملت التحولات التحضرية النسبية التي عاصرها المجتمع العراقي إلى نقل ولاءات العراقيين من الساحة الطائفية والقبلية إلى ساحة الولاء للدولة الوطنية.
صحيح ان البريطانيين كانوا قد أوكلوا أمر زعامة الدولة إلى ملك من الطائفة السنية, لكن الصحيح أيضا أن نهج تلك الدولة كان بعيدا عن الطائفية. وإن هذا هو الأمر الذي يجب أن يؤخذ بالحسبان حينما نعود إلى البحث في الشأن الطائفي في العراق محاذرين الوقوع في فخ لغة الأرقام والإحصائيات والجداول التي غالبا ما أعتمدت من قبل البعض من أمثال المرحوم حنا بطاطو وبعض الذين تأثروا بجداوله كالكاتب العراقي المعروف حسن العلوي, وذلك دون حساب منهم للعامل الزمكاني الذي لعب الدور الرئيسي في عملية تركيب تلك الأرقام والجداول. وفي كل الأحوال فإن العودة إلى توصيف الوضع الديني والمذهبي للدولة العراقية الحديثة يجب أن يجري بأعلى قدر من الدقة البعيدة عن الإسقاطات الفوقية المتعجلة أو تلك التي تعتمد القراءات الإرتدادية التي تعود إلى الماضي محملة بأعباء معطيات الحاضر.


     ولقد وجد الشيوعيون أرضا خصبة للعمل في جنوب العراق ومناطق فراته الأوسط, حيث أن الغالبية من السكان كانت أما من الفلاحين المضطهدين من قبل الإقطاع او من العمال الذين توسعت قاعدتهم بفعل وجود مؤسسات ذات طبيعة تشغيلية مثل الميناء البحري في البصرة أو المؤسسات النفطية الجنوبية في حين إتسعت قاعدة البعثيين بين صفوف العسكر والطلبة بشكل خاص, إضافة إلى العناصر ذات الصلة بالبيئة الدينية الحاضنة. بل لعل نسبة لا يستهان بها من البعثيين كانت قد إنضمت إلى الحزب كردة فعل على نظرية الشيوعيين الملحدة. على سبيل المثال كان أحمد حسن البكر قد إنضم إلى الحزب بداية عام 1962 بعد أن وصل إلى أسماعه أن الشيوعيون قد داسوا على القرآن بأقدامهم فأقسم حينها أنه سيموت في سبيل القضاء على نظام قاسم., وقد ساهم الرجل العقيد وقتها في الجيش بدور أساسي في الحركة التي أطاحت بالزعيم قاسم, وذلك من موقعه كعضو في المكتب العسكري للحزب وليصبح رئيسا لوزراء العهد البعثي الأول.
ورغم أن الشيوعيين كانوا أصحاب عقيدة سياسية إجتماعية واضحة بفعل تبنيهم للنظرية الماركسية إلا أن صفوفهم الداخلية لم تكن بمنأى عن تأثير عوامل التباعد والفرقة الدينية أو الطائفية ورأيناهم فيما بعد وهم يساهمون فعليا في أجهزة النظام الطائفي الذي تأسس ما بعد الإحتلال وليكون سكرتير لجنته المركزية عضوا في مجلس الحكم ومحسوبا على الحصة الشيعية في ذلك المجلس.
أما البعثيون الذين إعتمدوا على ثقافة التفاعل الجدلي ما بين الإسلام كروح وثقافة وتراث سياسي فلم يكونوا بمنأى عن عصف المراحل الدينية اللاحقة حيث أدت ظروف ما بعد الإحتلال الأمريكي للعراق وتمكن الأحزاب الشيعية من الهيمنة على النظام السياسي الجديد إلى إهتزاز البنية العقائدية للحزبيْن وإختلالها لصالح الإستقطابات الطائفية.        (يتبع)
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  *”برقية” تنشر حلقات هذه الدراسة التحليلة المهمة، بموافقة شخصية من الدكتور جعفر المظفر. وجدير بالذكر أن موقع “الحوار المتمدن” ينشرها تباعاً.    

    

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى