إبداعثقافة وفنون

ما لي سوى ” فقري”.. واغفر لنا ذنوبنا يا عراق!!

                     الأستاذ الدكتور: مزهر الخفاجي

   نديمة موظفة في واحدة من مصارف بغداد … والكلام لمسؤولتها تقول (أم علي) …خمسينية أخذ الدهر منها ما أخذ، وأعطاها (خمسة أولاد) …نديمة تمشي في ممر المصرف الذي تعمل به وهي تبسمل، باسم الله ..وكانت حين ترى أحد زملائها او زبائنها متأفئفاً تخاطبه بصوت فيه حياء شديد: خويه …قل شكراً لله…شكراً لسلامة البدن وصحة الروح …فهي تخاطب زملاءها وزميلاتها (مو كلشي يُمّه فلوس ) قدمت السيدة مديرة المصرف هذه المقدمة وهي ترى التعب قد كشر أنيابه وظهرت علاماته على (نديمة)…فاردفتُ مجيباً للسيدة المسؤولة عن المصرف؛ ست الفقراء ..هم ملائكة الله الذين يمشون على الأرض وهم آياته الناطقات في الخير …فأجابتني المديرة / أستاذ نديمة (أم علي) حتى وهي تستلم راتبها تخرج ما تيسر منه ..وتعطيه لأحد المحتاجين او المعوزين رغم أنها أحوج منا لهذا المبلغ ….وتجيبني السيدة مديرة المصرف ضاحكة …تخيل أستاذ عنادها المبصر وزهدها الضاج…فحين يهدي بعض زبائننا من (الميسورين /تجار ورجال أعمال)  بعض النقود او الإكراميات ترفض نديمة ذلك بأدب جمّ ولغة بسيطة وتقول غيري أحوج مني وحرام عليّ فأنا أعمل بأجر …وبدل ان تستسلم نديمه لإغراء المقدم من المال من الزبائن تفعل ما يخجلنا جميعاً …فحين تستلم راتبها توزع بعض ما تعتقد أنه زكاة لمالها على بعض كبار السن من الفقراء والمحتاجين، وتخيل أستاذ بعض الأيام تخرج ما تجود به يدها بعد أن تشعر أن هذا المتقاعد او كبير السن لا يملك أجرة نقله الى منزله بعد أن عرفت أن كثيراً من المتقاعدين الذين يرجعون خائبين حين لا يجدون أن الراتب قد نزل في موعده …والأغرب والكلام لإحدى زميلاتها…إنها تأتي ببعض الطعام من منزلها (لفات) …ولا تسمح لنفسها أن تبلع لقمتها الأولى …الا بعد ان توزع علينا او تقطع رغيف خبزها …لتضع في قطعتها الصغيرة بيضة او خيارة او ما تيسر في كيسها الصغير من خبر ولبن …ولم تقف مساعدتها عند حدود الكدح في العمل او تفقدها لفقرائها من الزبائن لكنها لا تبخل بنصيحة وهي تجد ان إحدى صاحباتها تعيش أزمه وتشتغل من أجل مساعدتها …وكثيراً ما كانت تغنّي او ترتل في وجوههن..

خلها تصرخ ..خل تشگ هدومها

خلها روحي معلعله .. وتصرخ تنوح

گامت ادلال الصبر تگلب تفوح

تغني أم تنوح أم تنعى …لكن بابتسامة كبيرة..هكذا (نديمة) تقضي ساعاتها في الدائرة بين تطييب خواطر المكلومات من صديقاتها…او مساعدة كبار السن من المتقاعدين الذين يجلسون وبعضهم تفرفح من كثر التعب والمرض وانتظار فرج الراتب

وحين تغادر نديمة (أم علي) دائرتها وبعد أن أفرغت ما جاد به كيسها من الطعام الذي أكلت منه زميلاتها من الموظفات في المصرف ..حتى بعض المتقاعدين من المراجعين وان كان قنينة ماء  فحسب …فهي تستعد في نهاية يومها لتشتري من الأسواق القريبة منها ..تتبضع ما أمكن من رغيف الخبز أو من الصمون (الحجري) وبضاعتها المعتادة من الخضار فالأولاد والبنات وإن كبروا…مازالوا (زغب الحواصل) والغريب أن هذه الخمسينية المتعبة لا تنسى حتى هديتها البسيطة لأحفادها (بسكويت مغشوش او نساتل بسيطة) …هذا ما قالته لي مسؤولة (نديمة) أو قل مديرة مصرفها …والذي أعاد لي بهجتي المفقودة …لأني لم أرَ قنوعاً منذ زمن

   في اليوم التالي رجعت لأكمل معاملة قرضي من المال وجدت رجلاً في متوسط العمر .. يجلس أمام السيدة المديرة والتي أشارت إليّ بالجلوس وقالت تفضل أستاذ…وبعد الضيافة سمعت السيدة مديرة المصرف تتبادل أطراف الحديث مع الرجل متوسط العمر والذي نادته بدكتور…وخاطبته بسخرية…دكتور هذا المليار دينار عراقي الثالث قد اودعته…بخير وسلامة وقد أحدث سماعي لهذا الرقم شيئاً من الغبطة والحسد والاستفهام…وتناهت الى مسامعي ملحة مديرة المصرف مخاطبة زبونها الثري…والحت عليه “بميانه” دكتور امورك جيدة والحمدلله من باب الانصاف لمدينتك أدعوك لبناء عيادة شعبية…لا أقول مجانيه بل لتخفف الأجر على الفقراء وأصحاب الدخل المحدود..وهم كثر ! ..فهو دكتور، صدقتك الجارية وبراً عظيماً بأهلك ومدينتك..ونحن مستعدون لإقراضك …لم يأبه الرجل لكلام السيدة المديرة والغريب أن (أم علي نديمة) هي التي قدمت له الشاي ..احتراماً لطلب مديرتها والتي همست بأذنها…لتضيّف زبونها المهم؟ فحرصت أن تضيفه من (الترمس) انائها الشخصي قدحاً من الشاي …والرجل (أي الدكتور المودع للمليار الثالث) طلب من أم علي أن يكون قدح الشاي الثاني أكثر سخونة مما قدمته …وقالت أم علي / حاضر أستاذ …قاطعته المديرة /أستاذ نديمة موظفة وهي اكراماً لي ولحضرتك تبرعت بعمل الشاي ..وتعرف نحن ليس لدينا ضيافه

وانبرت مديرة المصرف: أستاذ هذه الموظفه لخاطري، تحملت عناء ثمن الضيافه (الشاي) دكتور ومدينتك بغداد …وأهلك ما لهم خاطر عندك…على بختك

لقد كانت المديرة تخاطب الطبيب المشهور وكأنها تتوسل إليه بضرورة أن يكون عنده خاطر للناس …والرجل بعد أن وصله (الشاي الحار) الذي قدمته أم علي بيديها الكريمتين …أخرج من جيبه (ورقه خمسة الاف دينار) وحاول ان يضعها في جيبها لكن أم علي…نظرت إليه بسخرية ….دكتور على بختك..

وأنا بين أن اتدخل وبين أن اصمت …رن هاتف أحد المراجعين لتكون رنته قصيده يقول مطلعها ؛

هذا الموت …جسر للانهاية اعليه كلنه نفوت

هذا الموت…هاجس يبتدينه بلحظه التكوين

ويرافگنه العمر من غير ضجة وصوت ….

على جف المنايه مجرغدين انّام….

ونلهث على الدنيا ونبني بيهه بيوت….

ونتعافه ونذم بالخلگ هذا وذاك….

هذا الموت

اندهش الجميع ..وقفت نديمة تبتسم وخرج الطبيب منزعجاً من ذكر الموت….حين نظرت الى وجه أم علي وجدتها مستبشرة تتلو قوله تعالى ؛

(وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ. فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ. فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ. أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلامُ الْغُيُوبِ ).

   تلت أم علي قول الله تعالى، فصمت الجميع وانذهلنا من فرار الطبيب الثري ولقنتنا أم علي درساً بليغاً حين ودعت الثري قائلة الله يهديك …والك الله يا عراق يا خيمة الكل، ويا ساقي الكل، ويا حامي الكل، ويا صاحب الفضل على الكل ،

اغفر له واغفر لنا ذنوبنا يا عراق

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى