تحليل معمّقتحليلات

ما وراء بياض الپاپا..ما وراء سواد آية الله

بقلم: صباح اللامي

      نتحدث هنا في “الحقائق على الأرض” وليس في “الآمال والافتراضات”. وحديثنا يُبقي الاحترام كبيراً لذوات رجال الدين المحترمين الذين يكتفون بالصلاة أو بالدعاء من أجل راحة البشرية وسلامهم وأمنهم وحقهم في ممارسة عقائدهم.  

    الپاپا زار “أور”، وهذا شيءٌ جميل، وله قدْرٌ في نفوس العالمين جميعاً، وليس العراقيين وحدهم.

     وزار الپاپا السيستاني وهذا أيضاً شيء راقٍ، ويُسعد القلوب. وزار مسيحيي العراق، وهذه حالٌ نَسعد بها لأنّ مسيحيي العراق، كما كان يهوده أيضاً من جمال صورة التنوّع الراقي في بلاد الرافدين.

   وكان الإبراهيميون ورثة أولى حضارات “ميسوبوتوميا” السومرية في أور الناصرية “أم العراق”، التي حجّ إليها البابا، لأنّها مهدُ “أبي الأنبياء” عليهم السلام جميعاً. فاليهودية، والمسيحية من شجرة إسحق، ابن إبراهيم، والٍإسلام من شجرة إسماعيل، ابن إبراهيم عليهم وعلى رسول الله محمد أفضل الصلاة والتسليم.  

       ولكنْ، برغم ذلك كلّه…..لم يكنْ الپاپا أو ألـ”Pope” يوماً صانع سلام..مثلما لم يكن “آية الله العظمى” أو زعيم “الحوزة النجفية” يوماً صانع سلام!. الحقيقة لم يكونا، ولن يكونا!. مثلما لم يكن زعيم الأزهر، وهي أعلى منارة دينية علمية في العالم الإسلامي، أو أي زعيم يهودي، مشاركاً في صنع سلام. أمّا الحوارات عن التسامح، واجتماع الرؤوس تحت “الخيمة الإبراهيمية”، فهي محض كلام بروتوكولي، افتراضي، خلّاب، لا حضور له على الأرض. فعشرات الحروب، والاقتتالات، مرّت ولم يكن لهولاء، ولا لأي زعيم ديني في العراق أكان سُنّياً أم شيعياً، ولا لزعيم الأزهر في مصر، ولا لأي زعيم ديني في السعودية، أو زعيم مسيحي أو يهودي، أو بوذي أو غير ذلك في أصقاع الأرض، دورٌ في منع حرب، أو تحقيق سلام!.

    أما المهاتما غاندي، ومارتن لوثر كنغ الابن، والدالاي لاما، وغيرهم، فهم محسوبون على السياسة وليس على الأديان. إلا أنّ ذلك لا يَمنع أنْ يكون “رجال دين” أفذاذاً، سواء أكانوا مسيحيين أو مسلمين أو غير ذلك، فهناك كثيرون ساهموا في حركات تحرر عربية أو عالمية، منطلقين من حبّ أوطانهم، ووطنيتهم، وأيضاً من فهمهم الحقيقي للدين، أي دين!.

     والسجّلات تحفظ لنا جيّداً، أنّ فترات التاريخين الإسلامي والمسيحيي التي كانَ فيها المسجد والكنيسة مهيمنين على قصر الحكومة أو دار الرئاسة، اشتُهرت بوحشية الحروب، والانتقامات التي تعدّت بكثير ما يُسمّى في عصرنا “حروب الإبادة” أو “التطهير الديني” أو “الإقصاء العرقي” أو غير ذلك. ولم يرتحْ بشرُ أوروبا أو يتنفّسون الصعداء، إلا عندما تنحّت الكنيسة عن السياسة، فأراحت واستراحت. ثم انشغلت عن صراعاتها، باستعمارنا، والتحكّم بمصائرنا!.

    أما نحن، فمازلنا، كما يقول صديقي السيّد أمين البكّاء “هيك ألله رادْ”!.   

   أقول: إنّ الآمال المعلّقة على زيارة الپاپا، ستتبخّر، ولن يبقى منها إلا الذكريات، تحفظها ألبومات الصور، فالسياسة سياسة، والحرب حرب، والمصالح مصالح، وما يستقر في “الدهاليز” غير ما يرشُح عن المظاهر، والبروبغندات، والأيقونات المعروضة على الناس بـ”شفافية ميّتة”!. ولعل الأخطر هو ما تختزنه الأفئدة من عقابيل الداء القديم المتجدّد، أعني ديماغوجية عقائد تديين السياسة، أو تسييس الدين!.

     الحقيقة: سيبقى كرسيّ الپاپا “رمزاً” مجرّد رمز. ويبقى بساط “آية الله” رمزاً مجرّد رمز. ولا شيء وراء بياض ثياب الپاپا، ولا شيء أيضاً وراء سواد ثياب “آية الله”. فللبياض جماله، وللسواد جماله، لكنّ الأرض في العراق وفي غير العراق تتكلم بلغة الأحمر القاني!.  

     عليكم السلام، وفي الناس المسرّة..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى