إبداعثقافة وفنون

كثيراً من الصبر…قليلاً من الفرج

بقلم: أ.د مزهر الخفاجي

    كنت أسمع هذه الجملة قديماً في أيام الشتاء القارص والصيف اللاهب…لم يمت أحد من الجوع وكان أهلونا ما إنْ ينتهي الشتاء حتى يهللوا للربيع ونيروز ويقولوا جاء الصيف وكثيراً ما كانوا يصرحون بأن الصيف هو أبو الفقير …وسبحان الله لا الصيف رحمهم من (بارحه) ولا الشتاء من برده القارص (جويرده او برد العجوز) هذا الأمر هو الذي جعل الرائي في اساطير العراقيين القديمة  يوصي أهل الرافدين فيقول أحد أعمدة اساطيرهم:

فلتأمروا المنادين … أن ينادوا

ولتصرخوا عالياً في البلاد …أظنها الشكوى

لا تبجّلوا ألهتكم ……….

ولا تتوسلوا الى زعمائكم

بل اقصدو أيها الفقراء باب (ادد) باب الريح … ريح الفرج (ملحمة الخليقة البابلية) والمقطع الذي تقدم من الأسطورة …يطلب من الناس التوقف عن الشكوى ..لانها ستقود الى التذلل…وهي لا تليق بالرافدينيين أهل الخير..والثانية طلبت منهم الكف عن تبجيل زعمائهم، خيّريهم ومستبديهم ..لانه شكل من أشكال النفاق الذي ترفضه( الآلهة ) ….لكن المقطع الثاني من ملحمة الخليقة وبطلها (اتراحسيس) طلبت من الرافدينيين أنْ يطلبوا الرحمة من الله الواحد الأحد

احملوا معكم رغيفاً من الخبز واشكروه

لعلهُ محيط عليكم بزخة في الصباح

ويرسلُ المطر خلسة…في المساء

فتأتي الحقول ثمارها …قصة الخليقة ملحمة (اتراحاسيس) نوح العراقي

يا الله ..أولاءِ أهلي .. هم أنفسهم الآن يرتلون قوله تعالى (لئن شكرتم لأزيدنكم) فهو الذي يرزق عباده بغير حساب…الغضب نعمة ..والمحنةُ نعمة..والجوع نعمة..

والصبر نعمة ..نعم لقد جرّبَ العراقيون نعم الباري أو قل بلاءاته كلها فاستعانوا بالصبر …وكانت ترتيلة السياب في الصبر درساً في الترانيم فهو الذي يقول:

لك الحمد مهما استطال البلاءْ

ومهما استبدّ الألم …لك الحمدُ إنّ الرزايا عطاء … وان المصيبات بعض الكرم ..

وهذا الكرم مشيِّد جذوره من ملحمة أهلي في قصة الخليقه (اترحاسيس) فهم يقولون ايضاً ..

لقد دعوناه ..فرفع أيدي غضبه عنهم

وأمطرهم في الصباح طلاً..

وأمطرهم  في المساء ندى حثيثاً

فأينعت الحقول خلسة بالقمح

وغادرت بيوتهم المجاعه ..قصة الخليقة

ان الذي يقرأ سِفْر العراقيين يجد أنّ أهلي لم يقطّع أوصالهم الجوع ولا شدة الظلم ولا استبداد الألم…بل إن الذي يرهقهم ..انقطاع الأمل او قولوا غياب الحلم وانقطاع الفرح ..فهم مستكشفو رحمته.. ألم يُسمّوا أول آلهتهم بـ إله السماء (آنو) وكانوا يشكرونه لأنه لم يخذلهم يوماً ما ..فقد أعانهم في إيجاد السلام على أرض السلام وفي إضفاء السلام رغم كل محافل الظلام فقد كانوا يدعونهُ عند الشُحِّ او القحطِ ويضعون صف جميلاتهم على النهرِ (فينفحنَ) بعد أن ينثرن شعرهن على ضفاف الانهار طالباتٍ رحمتَهُ…فيهطل الغيث..لم يخذلوا إله السماء أهلي …فهو الذي يقول (أدعوني استجب لكم)….

لقد تناسل أيوب (العراقي) ناموس الدعاء ..

أن صاح ..صاح

لك الحمد ان الرزايا …ندى

وإن الجراح هدايا الحبيب ..أضمُّ الى الصدر باقاتها

وأنتظر أنا العراقي..الفقير..القوي..العزيز ..بعض الفرج

إلهي فرج عن كرب العراقيين فهم، ما أحوجهم إليك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى