تحليل معمّقتحليلات

السيناريو الايراني للانتخابات العراقية

بقلم: ليث الحمداني*

    بات واضحا من متابعة ما يجري في الساحة العراقية أن حكومة طهران قد أعدت مبكِّراً سيناريو للانتخابات العراقية وأن أمر العمليات قد صدر لعملائها بذلك، وبعيداً عن تصريحات علي أكبر ولايتي مستشار المرشد الايراني علي خامنئي خلال لقائه ممثلة الامين العام للامم المتحدة في بغداد جينين بلاسخارت التي أثارت وما زالت تثير الاستهجان في الشارع العراقي الذي اعتبرها اعترافاً صريحاً من الأمم المتحدة بالتدخل الإيراني غير الشرعي في السياسة العراقية، فإن السيناريو الإيراني بدأ مع احتواء  القيادة الايرانية لمقتدى الصدر و(تياره) السياسي وتكليفه بالإجهاز على الاحتجاجات الشعبية ضمن خطة (حرقه سياسيا) بشكل نهائي، ودخل مقتدى مصيدة الولي الفقيه دون عناء كبير كما دخلها أول مرة حين فجر الايرانيون (بشهادة ديفيد باتريوس) مراقد سامراء حيث قام  جيش المهدي يومها بقتل الآلاف من السنة الأبرياء وحرق مساجدهم وممتلكاتهم وتهجيرهم على أساس طائفي،  وأدرك مقتدى فيما بعد أن الذين قاموا بتلك الجرائم كانوا مرتبطين بايران فقد انشق هؤلاء عن جيش المهدي وأسَّسوا منظمات مسلحة منها (عصائب أهل الحق) و(النجباء) و(حزب الله) وغيرها ويبدو أن ذاكرة مقتدى ضعفت أو أنه تناسى تلك الكارثة بعد ان أقنعه الإيرانيون بأنهم سيدعمونه في الانتخابات المقبلة  مما جعل اتباعه يعلنون بأن رئاسة الوزراء المقبلة يجب أن تكون صدرية وأنهم سيحققون كما قال حاكم الزاملي ما لا يقل عن 100 مقعد في هذه الانتخابات، بل وذهب الى ابعد من ذلك حين أعلن أن أية انتخابات لا تأتي باغلبية صدرية ستكون مزوّرة!! والصدر نفسه قال في تغريدة  بتاريخ 22 نوفمبر 2020 إنه سيقرر خوض الانتخابات إنْ وجد بأنها ستأتي بأغلبية صدرية، ويلاحظ أنه ختم تغريدته بعبارة (إن الدين والمذهب والوطن في خطر) والوطن هو في ذيل اهتمامات (السيد) في وقت يدَّعي بأنه يعمل لتخليص العراق من (الفساد) و(التبعية) و(الانحراف).

    من جهة اخرى تحرك نوري المالكي زعيم حزب الدعوة إعلامياً، وتحرّكه ليس بمبعزل عن  القيادة الإيرانية، وواضح تماماً بأنه دعاية انتخابية مبكرة حيث يتطلع هو الآخر كما بدا من اطلالاته الاعلامية  للعودة الى رئاسة الوزراء، وبدأ يشير في مجالسه الى علاقاته الودية مع الرئيس الامريكي  جو بايدن ويسرّب صوره معه لأجهزة الاعلام التابعة لحزبه وللجيوش الإلكترونية المموَّلة من مكتبه.

   في الوقت نفسه أعلن أحد أعضاء تيار الفتح بأن هادي العامري سيكون مرشح الفتح لرئاسة الوزراء بعد الانتخابات المقبلة، ومعروف جيداً أن العامري هو رجل تابع لإيران سياسياً وحركته (بدر) حركة إيرانية المنشأ والولاء. والواقع أن ايران تمسك بخيوط الثلاثة بيدها وهي من دفعهم للتحرك المبكر انتخابياً، وهي من دفع التيار الصدري ليعلن قبل الجميع ما أعلنه حول الانتخابات.

   السيناريو الايراني  مبني على فرضية أن المفاوضات الأمريكية – الإيرانية حول الملف النووي باتت قاب قوسين أو أدنى  وأن  الأسلوب الذي اعتُمِد في اختيار رئيس الوزراء العراقي منذ الاحتلال سيعود للعمل مجدداً في ظل ادارة بايدن.

   ايران تعرف جيداً أن ممارسات (التيار) الصدري  ضد المتظاهرين وتصريحات الصدر العشوائية حول إعادة (البطة) قد أحرقته (سياسياً) في الأوساط الشعبية الى حدٍ بعيد، كما أن إحراق مقر الحزب الشيوعي في النجف الذي يتهم الكثيرون التيار الصدري بتنفيذه أضاف عزلة جديدة للتيار الصدري في أوساط كثيرة، وإيران تعرف أن الولايات المتحدة لن ترحب بوصول التيار الصدري الى رئاسة الوزراء، وهي أيضاً لا ترحب بوصول هادي العامري الذي كان أحد المحرّضين على مهاجمة السفارة الأمريكية وهو ما لن تستطع أية إدارة أمريكية تجاوزه. ومن هنا فإن إيران سترشح اذا ما بدأت مفاوضاتها مع الأمريكان في الملف العراقي بكل تاكيد نوري المالكي لرئاسة الوزراء وتقترحه على الولايات المتحدة كمرشح تسوية وستصدر توصياتها لتيار الفتح وللتيار الصدري للقبول وعقد جلسات مصالحة من أجل (المذهب). بهذا الترشيح سيرضخ الطرفان لإرادتها  كما جرت العادة، وسيتفق الثلاثة على تقاسم (كعكة السلطة). أما التصعيد الاعلامي الذي نراه اليوم بين الصدر والمالكي فهو استعراض اعلامي ستضع إيران له حداً وقتما تشاء، أما الولايات المتحدة فانها وفي حالة قبولها لنوري المالكي كمرشح لرئاسة وزراء العراق، ستفقد آخر فرصة لها لإعادة بعض مصداقيتها أمام الشعب العراقي، المصداقية  التي تآكلت في مرحلة رئاسة باراك أوباما ولم تحقق شيئاً سوى التصريحات إبان حكم دونالد ترامب…

   من المبكر الحديث عن الحسم بانتظار ما سيكون بشأن المفاوضات حول ملف ايران النووي وسياساتها في المنطقة، هذا اذا أصرت ادارة بايدن على مناقشة سياسات ايران في المنطقة ولم تترك لها العنان كما حصل في المرحلة الأوبامية!!!!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   *صديقنا الحبيب الأستاذ ليث الحمداني، رئيس تحرير صحيفة “البلاد” الكندية التي تصدر منذ سنين طويلة باللغتين العربية والانكليزية. وهو صحفي عراقي رائد، يقيم في تورونتو بكندا منذ أكثر من ربع قرن. عمل في صحيفة “طريق الشعب”، وكان أسّس صحيفة “الاتحاد” الأسبوعية ورأس تحريرها، فحوّلها إلى منتدى ثقافي لعموم الاتجاهات السياسية. ومعروف أيضاً أنّه كان عضواً منتخباً في إحدى دورات مجلس نقابة الصحفيين العراقيين.

   لقد أضحى الجسد العلمي، الفني، الثقافي، الصحفي والإعلامي “متناثر الأجزاء” في عموم أصقاع الأرض، لكنَّ نخبه لم تتوقف عن العطاء وعن التواصل مع البلد.  يكتبون بمداد قلوبهم، يعملون أكثر من مستطاعهم، ويبدعون في مجالات شتّى باعتراف منتديات الأرض ومحافلها. اللهمّ أعنهم، وأيّدهم. نحيي الجميع، ولاسيما الأخ العزيز “أبا ميلاد” حرسه الله.   

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى