إبداعثقافة وفنون

نوايا ليست سائبة

بقلم: أ.د. مزهر الخفاجي

   عصراً كنت قد اصطحبت زوجتي الدكتورة معي …لشراء حاجات منزلية كنا قد اضطررنا للذهاب لشرائها …ليس لحاجتنا الماسة إليها بل بسبب ضغط حرب الأخبار … نحنُ (المكاوية) فصرنا نُضلّل استهلاكياً مثلما نُضلّل سياسياً وثقافياً وتاريخياً …إلخ

المدام تحدثت بعلمية قائلة( حرب الفاگسين ) أي ( حرب اللقاحات)  ضد كورونا مثل حرب الأسلحة فهي تخضع لمنطق العرض والطلب في الكميات والأسعار وحتى الجرعات …قلت كيف؟ …قالت : البلدان الفقيرة تستورد الفاسگين من الصين أو روسيا ، والغنية من بريطانيا أو الولايات المتحدة الأمريكية …والذين يحرصون على مواطنيهم ، والبعض يشجع اللقاح الوطني حفاظاً على صحة شعوبهم وعملتهم الصعبة مثل المانيا واليابان ..

وما إن انتهينا من تبضعنا من أحد مولات بغداد، حتى اقترب منا سائق التكسي …أطلق عليها أهل بغداد(سايبه) …وظهر أن سائقها رجل متقدم في العمر قد غزا الشيب رأسه….

وبدا متعباً في حديث لم يكملهُ بعد … لكنه ترك هاتفه…وقال اتفضل أستاذ ،قلت…

هل تقلنا الى شارع فلسطين …قال …حسناً وانبرى سائق (السايبه) يفضفض عمّا في داخله… قائلاً :

    هم زين تذكرنا (فلسطين) في هذا الشارع فقلت  له: باستفهام …فلسطين يا رجل في قلوب العرب …كم تأمر …قال اصعد وخليها على الله …وليس على الحكام …استمر سائق السايبه يتحدّث …فقال…حال العرب لا يشبه حالهم سابقاً وهو لا يسر حبيباً أو صديقاً لكنهُ يُفرح العدو ..

رن هاتف سائق (السايبه) مرة أخرى …وأجاب بغضب وبدا وكأنه يخاطب أم عياله …

بادرتهُ …حاج رنة الموبايل مُقلقة …عسى أن تكون الأخبار سارة …فتح سماعة جواله … وقال نعم … قالت لهُ  زوجتهُ : بعتب :- جارتنا الحجة (أم أحمد) متوعكة فوضعها صعب …وقد اتصلوا بي وقلت لهم (أبو هشام) ليس هنا …وكررت … هذا الذي قلتهُ لهم حتى لا تلومني …

أجاب سائق التكسي زوجته (أم هشام): وقد بدأ يعلو صوته ….

بابا الناس للناس …وخير الناس من نفع الناس …

أم هشام : الامام علي عليه السلام  يقول: احبب لأخيك ما تحب لنفسك واكره لهُ ما تكره لها …أرجوكي قومي بالواجب إحنه وجيراننه فقرة صحيح …بس أغنياء عند الله  وتذكري قوله تعالى ( يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف)

اغلق سائق السايبه جواله …ووجه كلامه لي …

أستاذ : اعذرني لا أستطيع أن أتركك …لكن أعني في أن أوصلكم عند نهاية الشارع المؤدي لبيتكم …كي الحق بجارتي …

قلت لهُ (أبو هشام ) : بارك الله فيك …

قال : أنا متأسف لكن حال أفضل من حال…

اخذنا اطراف الحديث لكي أسأل (ابو هشام ) سائق السايبة فقلت : حاج هل مازالت الدنيا بخير … قال بحب : نعم وإلا كانت قد خربت حقولنا وفسدت ذائقتنا ، وأظلمت بيوتنا وعميت بصيرتنا وقل خيرنا ….

وأردف سائق (السايبه) يروي لي قصة حدثت لهُ  ….قبل أيام مع جيرانه … أن زوجة أحد الجيران كانت قد طرقت بابهم وقالت باللهجة العراقية (چهبت) طلبت من أم هشام …طاسة (إناء) رز ..فما كان من أم هشام بحرص المرأة وخوف الفقير من القادم … إلا ان اعتذرت منها …

وما إن علمتُ بهذا عند وصولي البيت … حتى قمت بحمل ما تبقى من كيس الرز (أبو ٥ كيلو) … وطرقت باب جاري حارس المدرسة …لأناديه من بعيد واترك طلبه في باب أحد الصفوف التي كان يسكنها  هذا الرجل هو وأطفاله الأربعة … ويضيف (أبو هشام) : غادرت بيت الحارس وانا اسمع زوجته (أم علي) تبتهل بالدعاء لي ولأمة الخير في عراق الخير …

وانبرى سائق ( السايبه ) يجودُ بقصيدة شعبية يقول مطلعها :-

شلون وكتك …

هم مثل وكتي كسر وياك عوده

شلون دهرك

باعك لو گطفها وياك سوده

جيت انشدك

وادري المكابر على الحسرات

وكت النشد موده

جيت اوچد  گلبك الحب الخَلگ

من هاي الخلگ ياهو اليعوده

لا ادري الكلام لسائق السايبه هو …ام كان كلام عجوز…. رثاءاً أم مدحاً…

واستمر سائقنا يتحدث كما أنه اراد ان يوصل لنا وجهة نظره رغم سنواته العجاف …عمي احنه الفقراء أحباب الله …والعراقيين كلهم فقراء وكلهم احباب الله ….

وبدا وكأنه يتمتم مرثية رافدينية بصوتً رخيم …مغنياً تارة ومنشداً تارة اخرى …قائلاً :-

يا نفسُ عودي للحياة وأملي

الخير أتٍ في الصباح المقبلِ

لا تجزعي مما اصابك وارفعي

لله في الآفاق كفّ مؤملِ

وتوشحي ثوب القناعة والرضا

وتلحفي بالصبر كي لا تذبلي

ما إن انتهى من قراءة قصيدته …حتى علا الغضب وجه السائق (ابو هشام) فضرب بيده مقود السيارة …وكرر أغنية ( كريم منصور )

أسألك ياعراق …

شوكت نرتاح …

نبچي لحالنا…

لو نبچي ع الراح …

قبل ان تنزل الدمعة على خد سائق السايبه طبطبتُ على قلبي …وفركت هامتي …وأصلبت دمعتي الوشيكة …

فدرس هذا العجوز عميق …

مثل (المخبول) كدتُ أفتح باب السيارة قبل ان يصف … لكن زوجتي هونت عليَّ الاثنين (الربكة والدمعة ) وقالت : وصلنا …وصلنا …

حين نظرت الى الخلف …وجدتُ حيرتها أعظم من حيرتي وحال عيونها ولسانها يقول …وهي الأجنبية:

اهلك أولاء…غرائبي ماركيز

أم مواطني جمهورية افلاطون …

وأردفت … الآن عرفت سر بقاء العراق ضاجاً بالحياة … أولاء أهلك …القابضون على مُثلهم الممتدة كالحبل السري ….

من آدم الى إبراهيم … الى أبي هشام … فهم نعم بقايا ملائكة ….

(أبو السايبه) … ليس فقط رجلاً عظيماً … بل هو مستورٌ بالمحبة كذلك ….

صرخت وكأنني اضغطُ على بكاءِ القادم وتذكرت نواعي الجنوبيات حين يودعن أحبابهن … فيردحن منشدات …

نازل يسايق ذوله أهلنا …

ذولة العراقيين !!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى