بعيون العرب

“أم العراقيين” تشيّع جنازة ابن “أم الدنيا” بأعلى ما تستحق العروبة من قيم الاعتناق!

“برقية”-بقلم: صباح اللامي: لم تفاجئنا ناصرية ذي قار أو “أم العراقيين” كما أسمّيها الآن مستشعراً منتهى الفخار، والشمم، والإباء، وأعلى ما تستحق معاني العروبة من قيم الاعتناق، وأنا أسمع وأقرأ وأرى ما فعله أبناء الناصرية الأحبّة مع شقيق مصري عاش في العراق لأربعين سنة في “قضاء الفهود”، ثم وافته المنية قبل أيام، فشيعته الألوف، ودفنته بقلوب متصدّعة على فراقه، وأقامت له “أبهى” ما يكون عليه عزاءٍ حبيب يرحل إلى جوار ربّه الكريم. ووصف مركز “الجزيرة” في تقرير بهذا الشأن مجلس الفاتحة بأنه “واحد من أضخم مشاهد العزاء في الناصرية”!.

   لقد تحدّى الناصريون أبناء “أم العراقيين” مخاوف الكورونا فايروس، وتحذيرات السلطة الأمنية الجائرة من التجمّعات، وهُرعوا بالألوف يشيعون جنازة المرحوم “سيّد محمد ياسين المصري” الذي قدِم إلى “قضاء الفهود” في الناصرية سنة 1980. عاش بين أهليها، وعدّوه واحداً منهم دون النظر إلى جنسيته، عمل صباغاً، تزوّج، وقضى أربعين عاماً في سيرة طيبة. وأوصى بدفن جثمانه في العراق. وقبل ذلك. اهتم أهالي قضاء الفهود بمرض “سيّد المصري” كما اعتادوا تسميته، اعتنوا به، لكي لا يشعر بوحشة الغربة، وحين لفظ أنفاسه الأخيرة –طبقاً لرواية تقرير الجزيرة- تحوّلت المنطقة كلها إلى مأتم”!.  

    وجدير بالذكر هنا أنّ ملايين المصريين عملوا في العراق، إبّان الحرب العراقية-الإيرانية، كانوا مصدر حياة وعون لجميع العراقيين المشغولين في الحرب، فاشتغلوا في الخدمات العامة، والزراعة، والصناعة، والنقل، والتعليم، وفي شتى المجالات، ليعوّضوا عن الأبطال “الماشين إلى جبهات القتال” للدفاع عن بلدهم ضد العدوان الإيراني الغاشم.

    ولنسجّل هنا بآيات الحب والامتنان، أنّ الناصرية “أم العراقيين”، تفاجئنا -كلّما أحسسنا بثقل الليل البهيم، المدلهم، على قلوبنا في هذا الزمن الرديء- بما يُنعش ذاكرة أمجادنا عراقيتنا وعروبتنا، فكانت وقفتهم –إلى جانب وقفة البصرة ضد البريطانيين- ذات شأن كبير في مواجهة الاحتلال الأميركي سنة 2003. وكانت الناصرية أقوى من تصدّى للحكومات الغاشمة، فأعجزت الطائفيين الذين تسلّلوا إليها، مؤكدة امتناع روحها عن التلوّث بالتمييز على أساس الدين أو المذهب أو العرق أو أي سبب من الأسباب. ونذكر أنها وقفت وقفة عزّ وتحدّ وهي تودع جنازة المرحوم سلطان هاشم بعد استشهاده في سجن الحوت بالناصرية. وفي هذه الأيام سجّلت موقفاً عروبياً جميلاً عندما هبّ أبناء “أم العراقيين” بالألوف ليشيّعوا جنازة ابن عزيز من أبناء “أم الدنيا” مصر العربية الحبيبة.  

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى