تحليل معمّقتحليلات

شرطا استعادة العراق “عافيته الوطنية”؟!

      “برقية”- بقلم صباح اللامي: لا نريد أنْ نوغل في التاريخ. دعونا نفكّر في العلّة ضمن مرحلة آخر 100 سنة عشناها، ما دمنا نبكي دماً –هذه الأيام- على ذكرى تأسيس جيشنا العراقي الذي نَزَعَ عنه “خدم إيران” بمعاونة الاحتلال الأميركي عِقال بسالته، انتقاماً، وحقداً شعوبياً، وثأراً مما أنجزه في “قادسية”  صدام حسين  1980-1988 التي كانت بحق ثالث ملحمة عربية ينتصف فيها العربُ من الفرس، بعد ملحمتي ذي قار، قبل الإسلام، وقادسية سعد بن أبي وقاص 636 م، زمن الخليفة الراشد العظيم عمر بن الخطاب.  

   لم تكن العلّة في الاحتلالات، فهي مسألة “ورادة” في تواريخ الشعوب. لأنّ النتيجة في المآل الأخير طرد الاحتلال، وتحرّر البلد من وجوده، برغم بقاء عقابيله!. في العراق، انتهى الحكم التركي السلجوقي مع أنه مسلم سنّي، وقبله انتهى الحكم الفارسي البويهي مع أنه مسلم شيعي، ثم جاء الحكم الإنكليزي، وبعد خمسة عهود جمهورية لـ”قاسم، عبد السلام، عبد الرحمن، البكر، صدام”، داهمنا الاحتلال الأميركي!.

    هنا بدأتْ العلة تشتغل على قضية سحق العراق، فالأميركان الذين أسقطوا الشاه في إيران، ونصّبوا “خميني”، أرادوا استبدال “التهديد الإسرائيلي” بـ”التهديد الفارسي”، واستبدال “التهديد الطائفي” بـ”التهديد الصهيوني”. فأنجزت هذه العملية الجراحية الكبرى، ما لا تستطيع أميركا، وحلفاؤها، وإسرائيل، مجتمعين على فِعْل ما فعلَ التهديد الطائفي الإيراني من قتل ودمار وإضعافٍ. لقد قلبَ التهديد الطائفي الدنيا تماماً في كل من لبنان، العراق، سوريا، واليمن. حاولوا مع مصر، ففشلت ريحهم!. لكنّ محاولاتهم مستمرة، استمالوا قطر ضد السعودية، وجرّبوا حظوظهم في الأخيرة، حيّدوا سلطنة عُمان، كبّلوا الكويت، ونصبوا الفخاخ للبحرين، وجرّبوا في الأردن، والسودان، والمغرب العربي، ففشلوا، وخابوا!.

    إذن فعلّة العراق هي الطائفية: الشيعية وتغذّيها “النجف” والسُنّية وتغذيها “الأنبار”. في الأولى معروفٌ أنّ التشيّع الصفوي أي الفارسي هو الذي يقف وراء تحويل “المذهبية” أي الصراع الفكري منزوع المخالب إلى “الطائفية” أي صراع إلغاء الآخر، بدءاً من تكفيره وانتهاءً بتغييره أو قتله!. وفي الثانية تحوّل “التسنّن المذهبي من حنفي، مالكي، حنبلي، شافعي” إلى “المذهبية الوهابية” السعودية التي مرّت بالمذهبية “القاعدية” ثم انتهت إلى “المذهبية الداعشية”!.

     في المملكة العربية بطش “محمد بن سلمان” بالتشدّد الوهابي، وانتصر للمدنية على “الهمجية الدينية”، ولذلك اهتزت دنيا “الإخوان المسلمين” ضده. فقبل ذلك كانت السعودية تشتغل على “التمذهب الوهابي” في أوساط العرب أينما كانوا، أي اشتغلت على “التسنّن الوهابي”، تحت مسمّيات شتى “السلفي، التوحيدي، الخ”، تماماً كما اشتغل الفرس على ما أسموه “تصدير الثورة”، أي تصدير “التشيّع الصفوي”، تحت مسمّيات شتّى أيضاً، ومنها “مذهب آل البيت، أو الإمامية، إلخ”.

    وبعد فما العلّة؟!

    منذ 2003 حتى الآن، يمكن القول إنّ الصراعات الطائفية بكل أشكالها عصفت بالغالبية العظمى من العراقيين، قتلاً، تغييباً، تهجيراً، إرهاباً، إفقاراً، قهراً، إلخ. وما “التوافق الشكلي” في التشارك بالسلطة، إلا مرحلة موقوتة بظروفها. وفي الغالب نتيجة لوجود “طالبي سلطة سُنّة”، لكنّ هذا التشارك سينتهي، لأنّ الميليشيات الخاضعة لإيران، تُدرّب، وتُلقن، وتُحفّز على مقارعة الآخر،  والوصول إلى مرحلة سحقه، واستئصاله!.

    أنا كمراقب، أزعمُ أنّ “تاريخ التشارك في سلطة ما بعد الاحتلال” يقترب من نهايته بثورة شعبية لا تبقي ولا تذر، تعقب مرحلة “جنون الهيمنة” لدى مقتدى الصدرو أتباعه، وتَعرُّض نظام طهران إلى الإزاحة في لبنان، وفي سوريا، وفي اليمن. لقد انتهى الصراع العربي-الإسرائيلي، (برغم بقاء الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي)، فلابد أنْ ينتهي معه “التمدّد الإيراني”، لأنّ العرب اختاروا التعايش مع العدو الإسرائيلي على التعايش مع العدو الإيراني. لماذا؟ لأنهم يرفضون “التغيير الطائفي”. وهذه هي العلة!. وعندهم أنّ الهيمنة السياسية، أميركية كانت أم إسرائيلية، مقدور عليها تاريخياً، أما الهيمنة الطائفية، فتصيبهم بمقتل!. إذن فشرط وجودنا المستقبلي مرهون بـ”أفول الطائفية” سواء أكانت تسنّناً أم تشيّعاً!. وأرى أن المملكة العربية السعودية حلّت المشكلة بالتراجع عن “التشدّد الوهابي” بالاتجاه نحو الوسطية والتمدين. أما إيران، فإنّ “تشدّدها الصفوي” بلا حل من دون انهيار النظام كاملاً. وفقط بتحقق هذين الشرطين، يستعيد العراق “عافيته الوطنية”!.  

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. برقيتك كالسيف هذه المرّة لامعة وتحمل في نصلها الحقيقة وان كانت جارحة تحية لقلمك الحي يبث الروح في الكلمات الصماء

زر الذهاب إلى الأعلى