آراء حرّةقراؤنا يكتبون

الدكتور الجراح “صائب الگيلاني” خسارة كبيرة..نُدرة في الأخلاق والكفاءة!

ـــــــ نعي واستذكار بقلم: الدكتور عمر رشيد ـــــــ

  “برقية”: فقد العراق الدكتور الجراح “صائب صديق الگيلاني” وهو في عمر العطاء والقدرة على خدمة مجتمعه. والفقيد من مواليد 1957، تخرج في جامعة الموصل، واشتغل في كلية طب بغداد. ومما أفخر به، أنّ الدكتور الگيلاني، كان أستاذي ومشرفي في بورد الجراحة إبّان زمن الحصار، أي في فترة شديدة الحرج.  

    كان رحمه الله إنساناً قبل أن يكون جراحاً..يُجري العمليات الجراحية للحالات المستعصية التي يتجنّبها بقية الجراحين، لأن تعبها كبير ولها مضاعفات، لا بسبب مردود يتناسب مع الجهد المبذول.. وفي زمن الحصار كان المرضى يقصدونه من كل مكان، يطلبون أن يُجري لهم عملية ما في مستشفى أهليّ لظنّهم أن الجراح يعمل فيها بشكل أفضل، لكنّ الدكتور صائب تغمّده الله تعالى بواسع رحمته، يرفض ويلّح على المريض أنْ تتمّ العملية مجاناً أي على نفقة الحكومة بمدينة الطب، عندما يعرف أنّ المريض لا يملك امكانية مالية تساعده على تحمّل نفقات المستشفى الأهلي.

   يحدث ذلك، فيما كان غيره يُعلمُ المريض من دون خجل: “إذا تريد عملية ناجحة مرلي للأهلي.. واذا تريد تموت اسويلكياها هنا”!

    وكان “كيو” الانتظار على الدكتور صائب، قد يؤجل عملية المريض إلى شهرين، فظروف الحصار كانت تسحق الناس اقتصادياً، لكنّ الدكتور صائب رحمه الله كان ذا مبادرة في إعطاء الأولوية للحالات المستعجلة، فيما كان يضطر أحياناً الى أنْ يحجز هو شخصياً في المستشفى الأهلي على حسابه الخاص، لإنقاذ مريض. وكان يعطيني شخصياً المبالغ اللازمة لأدفعها بنفسي لمحاسب المستشفى باسم مريضه لا باسمه هو. كان يدفع من جيبه دون أن يعلم المريض بذلك لكي لا يحرجه أو يمسّ إحساسه بشيء.  

    إلى ذلك، فإن الدكتور صائب متّعه الله بالجنة كان من الجراحين النادرين بمدينة الطب. لم نسمع منه كلمة تزعج طبيباً مقيماً أو ممرضة أو مريضاً. بل يشهد له الجميع أنّه كان مثالاً عالي المستوى في أخلاقياته السلوكية والطبية، فيما كان غيره –بصراحة- يسمعوننا كلاماً يصل الى حدّ الشتيمة.

    لقد علّمنا الأخلاق والانسانية، وكيف نحترم المريض ونعدّه واحداً من أهلنا، بحيث نعطيه العلاج بأيدينا بدلاً من الممرض أو الممرضة. علمنا الدكتور صائب ذلك قبل أن يعلمنا كيف نجري عملية جراحية. وبقي على اتصال بجميع المقيمين الذين اشتغلوا معنا ومنهم أنا تلميذه القديم الذي أكملت “البورد” قبل خمس عشرة سنة.     فقدنا رمزاً من رموز الطب النادرة في العراق، رحمه الله وأسكنه جنات الفردوس على جميع ما قدّم من خدمات جليلة لفقراء العراق من المرضى، ولمرضاه بشكل عام، وعلى ما أجزل من العطاء في ترسيخ الأخلاقيات الإنسانية لدى تلامذته، وفي مدّهم بالعلوم الطبية. إنا لله وإنا إليه راجعون، الرحمة الدائمة للفقيد، والصبر والسلون لأهليه ومحبيه.   

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى