بعيون العرب

هل مهّد وليّ العهد محمد بن سلمان طريقه إلى عرش المملكة؟

“برقية”-بقلم صباح اللامي: منذ دخول الملك سلمان بن عبد العزيز “84 سنة” الذي تسلم السلطة عام 2015 إلى المستشفى آخر مرة في العشرين من تموز الماضي لإجراء فحوصات لالتهاب مرارته، والشائعات في أروقة دول الخليج لاسيما في الدوحة تتحدّث عما يمكن أنْ يجري فيما لو رحل الملك سلمان بأجله المحتوم. فهل يتحوّل الملك الثامن “محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود” إلى “منقذ” أم “هدّام” لأعمدة سلطة متزمّتة، متشدّدة، ثيوقراطية، بناها الملوك السبعة الذين سبقوه على قاعدة تحالف القبيلة-الدين؟!.

     يرتكز التقييم العام لملوك السعودية على “مرحلة التأسيس” الأولى التي أرسى دعائمها عبد العزيز آل سعود “1902-1953″، ثم ابنه الأول سعود بن عبد العزيز “1953-1964” الذي عُزل لأسباب مرضية. ثم تولى الحكم ابن “طرفة” حفيدة محمد بن عبد الوهاب، فيصل بن عبد العزيز “1964-1975” الذي خرج قليلاً على تقليدية السلطة بمواقف قومية وإسلامية رائدة، كانت السبب الحقيقيّ وراء تدبير عملية اغتياله غدراً في مكتبه بإطلاقة مسدس صوّبها نحوه الأمير فيصل بن مساعد بن عبد العزيز آل سعود. وجرت الأمور بشكل تقليدي خلال فترة حكم خالد بن عبد العزيز “1975-1982″، لتنتهي إلى فهد بن عبد العزيز “1982-2005″ الذي أرسى دعائم قوّة المملكة خليجياً وعزّز تحالفها مع الولايات المتحدة، وتحمّل معها أعباء الحرب ضد العراق لـ”تحرير الكويت”.   

    لكنّ مسار المملكة أخذ منحى بـ “اتجاه التغيير” عندما تسلّم الملك عبدالله بن عبد العزيز “2005-2015” زمام الأمور لعشر سنين انتهت بتمهيد الطريق نحو “تخفيف التشدّد، والالتفات الى الحريات العامة” ولا يمكن وصف ما جرى في عهده بأكثر من ذلك، إلا أنه كان قد جعل مناخ التغيير ممكناً. وفي غضون السنين الخمس الفائتة التي حكم فيها سلمان بن عبد العزيز، كان واضحاً منذ البداية أنّ هناك اتجاهاً شديد القوّة نحو تغيير يؤمن به الملك، لكنّه لا يقوى وحده على القيام به مع وجود وليّ عهد تقليدي متشدّد مثل محمد بن نايف بن عبد العزيز آل سعود الذي أعفي فاختير البديل المهيّأ “وليّ وليّ العهد” وهو منصب مستحدث لضمان استمرار صعود “ملك التغيير” الآتي محمد بن سلمان “35 سنة”، الذي تسلم مقاليد الحكم بشكل فعلي في حزيرن سنة 2017. وهو منذ ذلك التاريخ، ولي العهد، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الدفاع، رئيس مجلس الشؤون السياسية والأمنية، ورئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية.

   اشتهر على صعيد عالمي بقضية “مذبحة خاشقجي” في السفارة السعودية بأنقرة سنة 2018. وكانت هذه الجريمة أكبر تجربة له في مقاومة انتقادات دولية عاصفة، لكنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان في ظهره، كما أنّ “ماكنة الإعلام الصهيوني العالمية” خففت كثيراً وطأة تلك الانتقادات، التي لم يبق منها الآن غير عقابيلها في “الواشنطن بوست” الصحيفة التي كان الراحل المغدور جمال خاشقجي يكتب فيها، وأيضاً في كل من تركيا وقطر اللتين تقفان في خط واحد في خصومة المملكة، تشاركهما في ذلك جمهورية مصر العربية.

    وبرغم “الهزّة” الصادمة لجريمة خاشقجي، إلا أنّ هناك إجراءات أقدم عليها ولي العهد الجديد تتعلق أولاً بما يشبه القضاء على التشدّد الديني الذي يُسمّى “الوهابي” في النطاق العربي، وزج الرافضين لمنهجه في السجون، ثم “نزع مخالب” بعض الأمراء الأثرياء المتململين من سطوته، والأهم شجاعته في الانفتاح على الحريات الاجتماعية التي هزّت المملكة “قيادة المرأة للسيارة، بعض حريات ارتداء الملابس، تشجيع السياحة، بناء المسارح والسينمات ودور التسلية” بالإضافة الى عدد هائل من المشاريع الجديدة التي تصب في هذه الاتجاهات. ومما لم يكن يحلم السعوديون بحدوثه، خروج المرأة إلى الحدائق لممارسة الرياضة، والسماح بالاختلاط، وبركوب النساء للدراجات الهوائية..الخ!.

     وبشكل قاطع فإنّ ما فعله محمد بن سلمان حتى الآن حوّله الى “منقذ” للمملكة العربية السعودية من “انغلاقها وتزمّتها وتشدّدها واحتقانها شعبياً” لاسيما بعد ثورات الربيع التي شهدتها المنطقة، وما جرى على هامش ذلك من حروب وتغييرات وتحولات. أي أنّ الأمير محمد بن سلمان حمى المملكة من الهدم والانهيار الذي كان مثار حديث صحف العالم ومنابره الفكرية. ويمكن القول إنّ سلطة المملكة انتقلت من أيدي “العجائز” إلى أوّل شاب على أبواب مرحلة النضوج، ويمكن أنْ يصبح الملك الثامن بعد أبيه ليقود مرحلة طويلة مهمّة قال إنّه سيحول فيها المملكة في غضون خمس عشرة سنة إلى “أوربا جديدة”، لكنّ محمد بن سلمان سيكون في بحر شهور بإزاء محنة مشروع “التطبيع” مع إسرائيل الذي لم تعترض عليه المملكة حتى الآن، وربما تكون هي “راعيته” لكنّها لا تريد بإعلان ذلك خسارة سمعتها الدينية في العالم الإسلامي، ، لاسيما أنّ قطر وإيران وتركيا ودولاً أخرى أيضاً تنتظر تحدّر المملكة إلى هذا المآل!.   

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى