آراء حرّةقراؤنا يكتبون

“ساعة صدام” التى تركها والدي على أرض الفاو !

دخل قطاع ٢٤(في مدينة ببغداد) إنذار ( جيم ) بعد ورود أنباء عن شمول اسم والدي في قائمة الصحفيين والفنانين الذين سيتم تكريمهم من قبل السيد الرئيس صدام حسين .والمكرمة في الانظمة الشمولية والملكية الرجعية هي الكلمة الرديف للحق البديهي لاي مواطن في امتلاك قطعة ارض او سلفة عقارية او سيارة شخصية او راتب تقاعدي او اي حق اخر ، فبدلاً من ان يكون كل ذلك من حقوق المواطن الطبيعية في بلاده اصبحت مكارم يجود بها الرئيس او الملك .

احد اشهر المكارم في سنوات الثمانينيات ، سنوات الحرب المنسية مع ايران ، هي سيارة فولكسفاكن تجمعها البرازيل بامتياز من المانيا ولهذا يسميها العراقيون بالبرازيلي بحيث لا يفهم عراقي الثمانينيات ما ذا تقصد عندما تقول له فقط فولكسفاكن.

اخيرا إذا ً تم ادراج اسم والدي في قوائم التكريم وسيقابل السيد الرئيس مع بقية الصحفيين والفنانين المشمولين بالتكريم رغم ان والدي لم يكن عضوًا في زمر مطبلي الرئيس فثلاثة ارباع اولاده واقاربه وابناء اخواته بل وحتى جيرانه من الهاربين من الخدمة العسكرية ان لم يكونوا اصلاَ، معارضين سياسيين. أخيرًا اذن سيذهب فؤاد العبودي الى (الحصوة) ، الساحة الشاسعة التي يوقف فيها السيد الرئيس سياراته البرازيلي التي جلبها من البرازيل ببلاش ضمن صفقة أسلحة عملاقة دهنت بلعوم الاقتصاد البرازيلي المتهالك .

الذهاب الى الحصوة في الثمانينيات والعودة منها بسيارة برازيلي له شروطه الخاصة فاما ان تكون طبالاً على مستوى عال جدا كصحفيي الثمانينيات او ان تذهب اليها بدون قدم او بدون يد او بدون عين بعد ان تكون قد بترتها او فقأتها على ارض القادسية الثانية .

امتلأ بيتنا بابناء قطاعنا وبعض ابناء القطاعات المجاورة من المهنئين بالبرازيلي

القادمة وكان النقاش يدور حول اللون فقد كان والدي يريدها حمراء قانية ولم يغير رأيه الا بعد أنْ قال له المرحوم الجميل هادي محمود :

خالي والله اللون الاحمر مو زين ، ثاني يوم يكّفع ويكشف من الشمس . عندها فقط تنازل والدي وقرر ان يختار بيضاء لان اللون الابيض يعكس اشعة الشمس .

فجأة برزت مشكلة غير متوقعة عندما سألت امي الجالسين في بيتنا مع ضحكة تسترها بالشيلة وهي توجه نظراتها الى والدي: صدگ چا ياهو الي راح يسوقها؟؟؟

سؤال مستتر تقديره ان والدي لم يمسك في حياته ( سويچ ) سيارة فكيف سيقودها ؟!

كان المنقذ هنا ايضا هو هادي ابو مصطفى الذي لم يتكفل فقط بقيادة سيارة والدي من الحصوة الى قطاع ٢٤ بل تبرع أيضًا بچادر سيارة جديد من حافظ القاضي هدية لخاله الصحفي المكرّم.

استبشر والدي ورفاقه الصحفيون خيرًا وضمنوا السيارات عندما بادرهم السيد الرئيس صدام حسين عن احوالهم قائلًا:

وجوهكم صفره من التعب ها؟ ثم اعقبها بضحكته الشهيرة المترافقة دومًا مع هزة كتفه الايمن .

وقف رئيس الديوان ليقرأ امام السيد الرئيس اسماء المكرمين ومكرماتهم:

عدد من من ممثلي ومغني تلفزيون الحرب وبعض اسماء الصحفيين المشهورين بارتباطهم ومدحهم للنظام حصلوا جميعا على برازيليات اما الصحفيون الذين اصفرت وجوههم من التعب فقد منحوا جميعا ساعات سويسرية مطلية من الخارج بالذهب وفي داخلها صورة للسيد الرئيس تذكرهم كلما نظروا اليها ببذل المزيد من الجهد والاصفرار للوصول الى مستوى هؤلاء الفنانين والممثلين وصحفيي البلاط المعروفين للجميع وقتها .

بعد اسبوع من التكريم الرئاسي كانت هناك سيارة رباعية الدفع مطلية بالطين بالكامل عدا فتحة صغيرة في الزجاجة الامامية يرى من خلالها السائق طريقه الى الفاو لتغطية عملية تحرير الفاو مباشرة من الخطوط الامامية للمعركة .

كان أصحاب البرازيليات ، يردحون على المسرح الوطني بالكرادة ووالدي، ابو الساعة، يغطي المعركة وسط الجنود من الفاو .

انطلقت السيارة المطيّنة للجبهة تحمل والدي والمصور والسائق الى أرض الفاو التي ترك وقتها ملك الموت عمله في الارض والسموات السبع وتفرغ لها وحدها فقط .

في المعركة ، لم ينتبه والدي لساعة الرئيس وهي تسقط من يده وتتوحل بارض الفاو، ارض الحناء .كان والدي منحنيا يمسك اطراف بنطلونه العسكري الزيتوني وهو ينظر بذهول كيف اخترقت الشظية الايرانية قماش البنطلون من اليسار الى اليمين دون ان تبتر ساقه!               

                                                                              رائد فؤاد العبودي                                                                          

                                                                        مونتريال-كندا تموز 2020

———————————-

   تعليقنا: “برقية” تنشر نصوصاً تردها من كتابها أو من القراء، احتراماً لآرائهم حتى لو كنّا مختلفين معها، أو لنا آراء مغايرة في الموضوعات التي يتناولونها، اعترافاً من إدارة تحرير شبكة “برقية” بأهمية الرأي والرأي الآخر في إدامة حركة تقدم الحياة.  

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى