أخبارعراقية

خميني وراء “عذابات أسرانا”..وحكمَ بسجنهم 20 سنة بعد انتهاء الحرب!

     إقرأ واحفر في ذاكرة “العقل الجمعي” الوطني:

 -عصا “لئيمة” يتوكأ عليها اللواء الركن دخيل الهلالي.

 -10 بالمائة متفرجون وتوّابون وألـ90 بالمائة من الأسرى صُنفوا “بعثيين”.

 -اشتروا “راديو” بذهب عروس عراقية جميلة من عائلة ثرية.

 -الدنيا “مغلقة” من حولهم..ولم يعرفوا بانتهاء الحرب في 8-8-1988

    “برقية”-خاص-الجزء الأخير: استكمالاً لحلقتين مضيتا عن عذابات الأسرى العراقيين في إيران، ننشر هنا الجزء الأخير من شريط الذكريات “المُرّة” التي وافنا بها الدكتور نزار السامرائي، عميد الأسرى العراقيين، والمدير العام الأسبق لدائرة الإعلام الداخلي في وزارة الثقافة والإعلام. وهذه المرة نترك له خيط الحديث حتى آخره. قال الدكتور السامرائي:

     نحن مجموعة الأسرى العراقيين الذين رافقتهم صفة (أسرى معاقبين) منذ الأيام الأولى للأسر وقد طالت رفقة بعضنا من اليوم الأول للاسر وحتى يوم العودة مع أن بعضنا من مجموعتنا بقي في الأسر مدة تزيد على سنة. المهم مجموعتنا تتألف من 24  أسيرا من أسرى الشوش ودزفول في آذار 1982. وسبب الحقد الإيراني علينا هو أن هذه المجموعة كان فيها اثنان مدنيان هما الدكتور مضر محمد علي النوري مدير عام المؤسسة العامة للمياه الجوفية ونزار السامرائي مدير عام دائرة الإعلام الداخلي وبعض من ضباط استخبارات الألوية والوحدات الفعالة في القاطع طبعا سيتبادر إلى الذهن سؤال فوري هل تمكن الإيرانيون بقدراتهم الخارقة من كشف هذه التفاصيل بتلك السرعة؟

     الموضوع يرتبط بالدرجة الأولى بتساقط بعض الأسرى الذين لم يواجهوا عمليات تحقيق سابقة مصحوبة بعنف أو ضغط أو أنّ عوامل الحقد على قيادة العراق تحركت بسبب النقل إلى جبهات الحرب وكأن الحقد على القيادة يبرر خيانة الوطن،  صارت الاعترافات علينا تتدفق الى الجهات الإيرانية وكشفت حقيقة كل واحد فينا وترافقت هذه المعلومات مع حديث عن عمليات تحريض من قبلنا لمقاومة عمليات التسقيط الإيرانية مما ضاعف من غضب جهاز الاستخبارات الإيراني. ويبدو أن الجهة المشرفة على الأسرى وجدت أن بقاءنا مع الأسرى سيعني أننا نحول دون نجاح الاستخبارات في كسب المزيد من الضعفاء.

    بعد مدة تم نقلنا إلى “قصر فيروز” في طهران وبعد شهور معدودة قضيناها بين الزانزنات الانفرادية أو الجماعية تم نقلنا يوم 1 / 9 /1982 إلى الكمب الثاني الرهيب في معسكر الفرقة 77 في مشهد وتقلبنا في هذا المعسكر بين الأمراض والقتل والجوع وحفلات التهذيب اليومي وفرصة واحدة لقضاء الحاجة في اليوم ولمدة ثلاث دقائق لأن الكمب الذي حشر فيه 730 اسيراً لا يتوفر إلا على مرحاضين.

    وبعد عدة شهور وبالضبط يوم 22 / 1/ 1983 افتتحنا معسكر “سنك بست” أو صخرة الموت والذي صار بعد ايام يضم 2500  أسير تقريبا وهذا المعسكر يتألف من عدة كمبات معزولة عن بعضها. سنك بست واحدة من عشرات القلاع وهي ما يشبه الخانات القديمة في العراق ونتيجة ما كنا نلاقيه من تعذيب تسربت أخبارنا إلى بقية الأسرى ذلك أن الإيرانيين يعانون من غباء مركب فهم في الوقت الذي يحرصون فيه على إبقاء المعسكر مخفياً ارتكبوا حماقتهم عندما نقلوا مجموعة من الأسرى على أساس أنهم عدلوا اوضاعهم وطبعا هذه مجرد حيلة طبقها بعض الأسرى للتخلص من محنتهم.

      هؤلاء عندما اختلطوا مع أسرى آخرين، ضخوا ما يحصل في معسكر صخرة الموت وصارت أخباره حديث المعسكرات حتى وصلت إلى الاستخبارات العراقية فقدم العراق شكوى للامين العام للأمم المتحدة، فتقرر الكشف عن أوضاع الأسرى العراقيين في هذا المعسكر الرهيب “صخرة الموت”. ثم اضطرت السلطات الإيرانية لإخلاء المعسكر في كانون الثاني 1987 ولمدة 47 يوما وعدنا إليه في شباط من العام نفسه وبقينا فيه إلى نهاية تموز 1988 ولم نكن نعرف أن الحرب انتهت لأننا محرومون من الإعلام.

     من مفارقات الأمر أننا نقلنا هذه المرة إلى معسكر مازدوان نفسه وبقينا نعيش حالة تعتيم إعلامي إلى أن تمكنا من شراء جهاز راديو من النوع الصغير والذي لم يكن يزيد سعره في ذلك الوقت في العراق عن ثلاثة دنانير ولكننا اشتريناه بكمية من الذهب تكفي مهراً عالياً لانسة من العائلات الثرية. ولكن من جلب الراديو كان جزءاً من منظومة الاستخبارات الإيرانية بهدف تجريد الأسرى من آخر ما يمتلكون وعندما نفدت قوة البطارية كان الجندي قد نقل إلى مكان آخر.

      بقينا إلى أن دخل العراق إلى الكويت ودارت عجلة العلاقات بين العراق وإيران بقوة دفع متسارعة حتى بدأ التبادل يوم 18 آب 1990 وفي يوم وقف التبادل 15-9-1990 كانت مجموعة الأسرى غير المسجلين في الصليب الأحمر ومجموعتنا منهم  تنقل إلى معسكر قوجان في إقليم “دراسات” أيضا وبقينا فيه أقل من سنة بعد أن قمنا بانتفاضة كادت ان تودي بحياة كثير من الأسرى لولا لطف الله. ويوم 27 /8 /1991 تم نقل مجموعتنا المفضلة عليها إلى طهران وعدنا مرة أخرى إلى قصر  فيروزة بعد أن كنا فيه قبل تسع سنوات. لكننا لم نلبث فيه إلا أياما  معدودات إذ تم  يوم 1 /9 /1991 نقلنا إلى معسكر قمصر كاشان في المحافظة المركزية التي مركزها أراك.

وفي هذا المعسكر التقينا مع كبار ضباط الجيش العراقي الأسرى. كان آمر المعسكر جلاداً يتلذذ بإيقاع الأذى بالأسرى اسمه (الحاج عباس بزرك نيا) وهناك التقيت بأصدقاء ووكلاء في الأسر كنت قد فارقتهم منذ سنوات طويلة كما التقيا بقادة كبار تعلمت منهم الكثير مثل العقيد الركن خميس مخيلف العلواني أمر اللواء 48 والعقيد الركن سردار بهاء الدين أمر اللواء الأول والعقيد الركن ناريمان بكر سامى أمر اللواء 96 والعقيد الركن عبد الكاظم الأسدي أمر اللواء 111. في هذا المعسكر انتشر مرض الإسهال الدموي واختطف حياة عدد كبير من الأسرى.

    من مفارقات هذا المعسكر أن اللواء الركن دخيل كان يعاني من مرض السكري فحاول الأسرى بكل جهدهم أن يجمعوا ما لديهم من قطع ذهبية ليحضروا له نصف لتر من الحليب ولو مرة في الأسبوع فجاء امر المعسكر وقال يبدو أنكم نسيتم أنكم أسرى أنتم بحاجة إلى تذكيركم بذلك فتحولت المعاملة من حدها الأدنى إلى حد التلاشي فلا وجود لما يمكن أن نطلق عليه إسم إنسانية أو اسلام بعد أن فقدنا كل أمل لنا في القوانين الدولية.

   وعندما عجز اللواء الركن دخيل الهلالي عن المشي والحصول على فرصة للذهاب إلى المرحاض بسبب مرض السكر حاولنا أن نوفر له عصا يتوكأ عليها كاد هذا أن يلحق بحلم الحصول على الحليب. لهذا فوجئنا بأن أمر المعسكر قد اقتطع غصنا من شجرة ربما قريبة من المعسكر وجلبها له. لا يمكنك ابدأ أن تتصور فرحتنا واحتفالنا بهذه العكازة اللئيمة التي أنقذت حياة لواء ركن في الجيش العراقي.

    ويختتم الدكتور نزار السامرائي حديثه قائلاً: ماذا أريد أن أصف ما عانينا من محاولات إذلال لئيمة لفئة كانت تعتز بنفسها في المجتمع وإذا بها تقع تحت سياط أجهزة استخبارات لم تكن تتحرك من تلقاء نفسها بل لتوجيهات من أعلى المواقع القيادية. ويكفي أن أذكر أن خميني قال إن الأسرى محكومون بالسجن عشرين سنة بعد توقف الحرب إذا وقفت. أما خامنئي عندما كان رئيسا للجمهورية فقد قال إن الأسرى يقارعون الجمهورية الإسلامية بشراسة أكثر مما كانوا يفعلون في جبهات الحرب. وصنفهم على النحو التالي: أكثر من  90% بعثيون والباقون بعضهم متفرجون أو توابون.

          ——— د. نزار السامرائي في سطور———-

    -عمل منذ سنة 1971، مديراً للأخبار في المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون في العراق.

    -شغل منصب المدير العام لدائرة الإعلام الداخلي في وزارة الثقافة والإعلام العراقية سنة 1980.

    -تطوّع للقتال ضد إيران في ألوية المهات الخاصة عام 1981، مؤمناً بدور ثان للصحافي في الدفاع عن وطنه.

    -أسر بتاريخ 24-3-1982 في جبهة “الشوش” في شمالي الأحواز العربية التي اغتصبتها إيران منذ زمن بعيد.

   -عاد الى العراق يوم 22-1-2002.

  – ويعدّ السامرائي عميد الأسرى العراقيين في السجون الإيرانية .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى