ترجماتعرب وعالم

دراسة “غربيّة” جديدة لـ”أسباب” اندلاع ثورة العشرين!!

“برقية”-خاص: تقدّم شبكة “برقية” تباعاً –وعلى حلقات- الترجمة الكاملة لكتاب “الإدارة البريطانية للعراق ونفوذها في ثورة 1920” لمؤلفه النرويجي (رافائيل رينيه أورتيغا فابال). وأهمية الكتاب المترجم عن اللغة الإنكليزية أنه ليس لمؤلف بريطاني كان “محتلاً” ولا لكاتب عراقي وقع الاحتلال على أرضه ومقدراته، ثم أن الكتاب عبارة عن مادة بحث أكاديمية قدم المؤلف رسالتها لنيل شهادة الماجستير من جامعة أوسلو النرويجية.

الإدارة البريطانية للعراق ونفوذها في ثورة 1920

تأليف: رافائيل رينيه أورتيغا فابال

رسالة ماجستير في التاريخ

إدارة علم الآثار، الصيانة، والتاريخ

(IAKH)

جامعة أوسلو. ربيع 2015

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ  الجزء الثانـي  ـــــــــــــــــــــــــــــــ

  موضوع البحث

  من أجل فهم أسباب الثورة العراقية لسنة 1920، يكون ضرورياً إلقاء نظرة على الحالة التي كان فيها العراق تحت السيطرة البريطانية. وعبر دراسة وثائق الإدارة البريطانية في ذلك الوقت وتفسيرها، تقدّم “رسالة الماجستير” هذه نظرة ثاقبة للإدارة البريطانية في العراق قبل الثورة. وقبل التوصّل الى توضيح مرضٍ للحالة التي سبقت الثورة أو تلتها، فإنّ هذه الدراسة تبحث في ماهية العلاقة بين البريطانيين والعرب منذ نهاية الحرب العالمية الأولى. ومن خلال استخدام المصادر الرئيسة والثانوية، فإنّ هذه الرسالة أو الأطروحة، تدرس اللاعبين الأساسيين من العرب خلال الثورة، وتأثيرها الذي أحدثته من قبل على طريق استقلال العراق.

   إنّ الأسئلة الجوهرية، التي تسعى هذه الأطروحة للإجابة عنها هي:

  • من كان هؤلاء الناس الذين يسكنون “ميسوبوتيميا” أو بلاد ما بين النهرين، أو العراق في زمن الاحتلال البريطاني؟
  • أي نوع من الإدارة، وما هي التغييرات التي نفذها البريطانيون في البلد؟
  • ما الذي تسبّب في إشعال ثورة العراق الكبرى سنة 1920؟
  • هل جلبت الثورة أي تغيير لبلاد ما بين النهرين؟

  هذه هي الأسئلة المركزية التي سيُجاب عنها في هذه الأطروحة، مركزين على ما حدث بين سنتي 1918 و 1921. وكما يبدو فإن هناك أواصر بين الأساليب البريطانية في محاولة إحكام السيطرة على العراق، وبين بعض الأسباب التي أدّت الى انبثاق الثورة العراقية. إنّ الغرض من هذه الأطروحة ، هو لإلقاء نظرة قريبة وفاحصة على الإدارة البريطانية التي حكمت العراق في السنتين الأخيرتين قبل أنْ يتحدّى المتمردون العراقيون السيطرة البريطانية على بلدهم.

    النظريات الحالية

   إنّ غالبية المصادر التي استشيرتْ في هذا التحقيق، بيّنت بإيجاز بعض مقاصد الأسئلة السابق ذكرها، ولكنْ تقريباً لا أحد من هذه المصادر ، تعامل مع الأسباب الاجتماعية، أو السياسية، أو الثقافية لاندلاع الثورة بقدر ما لذلك من علاقة بالإدارة البريطانية التي حكمت البلد. ولم نجد أياً من الكتب والدراسات التي جرى تمحيصها في هذه الأطروحة، قد ركزت بشكل رئيس على الإدارة البريطانية في ميسوبوتيميا بين 1918 –التي بسطت هيمنتها من البصرة وإلى جميع أنحاء البلد- وبين سنة 1920 عندما بدأ الثوار تمرّدهم.

   لقد أدّى سقوط الإمبراطورية العثمانية إلى تغييرات حقيقية في أنماط العلاقة بين العشائر، أوبين الزعماء أنفسهم. ومعروف جداً أنّ السياسيين البريطانيين نفذوا تكتيك “فرّق تسدْ” خلال حكمهم الجديد في بلاد ما بين النهرين. والعديد من الشيوخ العرب، اكتسبوا المزيد من السلطة خلال الانتداب البريطاني، أكثر مما كانت عليه سلطتهم تحت حكم الإمبراطورية العثمانية. لهذا كان التزام هؤلاء الشيوخ حيال الإنكليز، بأكثر مما كان عليه التزامهم لقبائلهم نفسها. والانقسامات بين بعض الشيوخ والقبائل إلى جانب الوعود التي قطعها الجيش البريطاني، وسياسييه لبعض الزعماء العرب خلال ذلك الوقت، خلقت برمتها “حركة قومية” بأمل الحصول على المزيد من النفوذ في مستقبل العراق لما بعد الحرب. وبالتالي، فإن النهج البريطاني في التعامل مع زعماء العرب المختلفين في العراق وسوريا، إلى جانب السياق الدولي بعد الحرب العالمية الأولى، دفع المنطقة الى أحداث غير متوقعة لاسيما خلال سنة الثورة 1920.

    “في كربلاء ثمة رجل دين بارز، آية الله محمد تقي الشيرازي، أصدر فتوى تعلن “أنّ المسلم ليس له الحق في انتخاب واختيار غير المسلم أن يحكم المسلمين. وقال إن الخدمة في الإدارة البريطانية غير قانونية”.”4″ وشعرتْ مجموعة أخرى بالتحسّن تحت الحكم البريطاني: “إنّ التجار والوجهاء العلمانيين البارزين –من جانب آخر- كتبوا بيانات يعلنون فيها دعمهم لاستمرار الحكم البريطاني”. “5”

    وجميع هذه الآراء المتناقضة، انعكست في استفتاء “مسح” أمر به المدير المدني البريطاني، السير آرنولد تي. ولسون في سنة 1919 كطريقة لتأكيد نوعية الحكم الذي يريده العراقيون في بلدهم. ولقد خلفت هذه النتيجة انقساماً في أوساط البريطانيين، بين أولائك الذين يؤيدون وليسون باستمرار السيطرة البريطانية على العراق، وبين الذين هم في وزارة الخارجية، مثل “جيرترود بيل التي استنتجت أنّ القومية العربية كانت تتطور بزخم غير قابل للتوقف”.”6″ لقد أصبح الليفتنانت كولونيل السير أرنولد تي. ويلسون نائب المفوض المدني البريطاني في العراق. “كان عضواً في جهاز الخدمة السياسية الهندية، وضابط أركان لقائد الأركان العامة، لكنّه لم يقدم تقاريره الى وزارة الحرب، إنما إلى الحكومة في الهند”. “7” هذه المعلومات توفر نظرة ثاقبة للتناقضات وسط البريطانيين في بريطانيا العظمى، وفي الهند فيما يتعلق بكيفية تنفيذهم سياساتهم الإدارية في العراق. إن الثورة كانت جزئياً نتيجة للانقسامات بين العرب (الشيوخ والقبائل)، والمسلمين السُنّة والشيعة، والبريطانيين في العراق، وأولئك الذين هم في الحكومة البريطانية في لندن. وخلال الفصول الآتية فإن هذه الأطروحة سوف تركز على التباينات الدينية، والاجتماعية، والاقتصادية وسط العرب العراقيين ما قبل الثورة. وثمة تحليل للسياسة الخارجية البريطانية، لكلا الطرفين في بريطانيا العظمى نفسها، واختلافاتها عند المسؤولين في الإدارة البريطانية للعراق. إن هذا التحليل ضروري جداً لرسم صورة أقرب الى الدقة عن الحال في ذلك الوقت.

    “ومن نهاية العام 1918 حتى أكتوبر-تشرين الأول 1920، مرّت السياسة البريطانية في العراق بفترة حيرة، وكان هذه الفترة سبباً رئيساً لأزمة سنة 1920”. “8” ولم يتخذ مكتب لندن أي قرار مهم بشأن مستقبل العراق حتى نيسان سنة 1920 في مؤتمر سان ريمو، حيث تقرّر هناك خضوع العراق للانتداب البريطاني. وفي سنة 1917، اقترح السير “آرثر هرتزل” وزير الإدارة السياسية البريطانية، نظاماً عربياً شبه مستقل في العراق، لإعطاء المزيد من النفوذ السياسي للعراقيين العرب. هذا المقترح، لم يرُق للمفوض البريطاني السير أرنولد تي. ويلسون الذي لم يكن راغباً بقبوله، وجاءت الأحداث خلال سنة 1920 لتؤكد خطأ رأيه.

    وكما ذكرتُ سابقاً فإنّ هذه الأطروحة سوف تلقي نظرة فاحصة على الإدارة البريطانية بين عامي 1918 و1920، بسبب الكثير من التناقضات بين مختلف المكاتب البريطانية فيما يتعلق بالسياسة البريطانية في العراق. وفي الوقت نفسه، من المهم جداً تحليل سبب حدوث تلك الثورة التي فوجئ بها البريطانيون مع أنهم كانوا على علم بتنامي الشعور القومي المتزايد لدى الكثيرين من عرب العراق. وبعد أشهر من القتال تمكن جيش الاحتلال من خنق الثورة. لكنهم أدركوا أنّ سياستهم وإدارتهم يجب أنْ يُعاد النظر بها وإعادة تنظيمها بإعطاء مزيد من المشاركة للعراقيين العرب. إن عدم الاستقرار في العراق دفع الإدارة البريطانية الى تطبيق التغييرات، وكان ذلك عندما قرروا خلق ملكية مع فيصل الأول ليحكم العراق كملك. وربما كان هذا العمل الإنجاز الرئيس للبريطانيين في العراق، إذ أنهم كونوا في الأقل ما يشبه الدولة المستقلة مع الاحتفاظ بمصالحهم الأساسية.

   وقد تم التخطيط للحل من قبل أي. تي. ويلسون في وقت مبكر من يوم الثلاثين من تموز 1920، عندما سمع أن فيصل خُلع من ملكه في سوريا. واتصل بالمكتب البريطاني في الهند، لكي تُعرض على فيصل “قيادة دولة بلاد ما بين النهرين”9”.

انتظروا “الجزء الثالث”

إقرأ” الجزء الاول”: الإدارة البريطانية للعراق ونفوذها في ثورة 1920

_______________

“4” ريفا سبيكتور سايمون، إيلينور أج. تيجيريان، تكوين العراق 1914-1921، الفصل 1، الرؤية من البصرة: ردّ فعل جنوب العراق على حرب الاحتلال، 1915-1925، مطبعة جامعة كولومبيا، نيويورك 2004: 27

“5” ريفا سبيكتور سايمن، إيلينور أج. تيجيريان 2004: 27

“6” ريفا سبيكتور سايمن، إيلينور أج. تيجيريان 2004: 27

“7” مارك جاكوبسون 1991: 324

“8” د. ك. فيلدهاوس، الإمبريالية الغربية في الشرق الأوسط 1914-1958 مطبعة جامعة أكسفورد، 2006: 84

“9” ” د. ك. فيلدهاوس،2006: 84

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى