العراق

في ضيافة المدافع .. مذكرات الأيام الساخنة (2)يوم المستنصرية الدامي..ومحاولة اغتيال طارق عزيز

                  بقلم: الدكتور جعفر المظفر

    في اليوم الأول من نيسان عام 1980 تقرر أن تكون جلسة الإفتتاح لمؤتمر اتحاد الطلبة الآسيويين في قاعة المؤتمرات التابعة لجامعة المستنصرية في بغداد على أن تعقد بقية جلسات ذلك الإتحاد في مدينة الحبانية السياحية في الأيام الثلاثة التالية, وقد تبنى عقد المؤتمر واستضافة جلساته الإتحاد الوطني لطلبة العراق وكان الصديق السيد محمد دبدب وقتها رئيساً له خلفاً للكادر الطلابي اللامع كريم الملا الذي أصبح فيما بعد وزيراً للشباب, والذي أَعتبرُه واحداً من أفضل البعثيين الذين عملت معهم سواء من ناحية الخبرة أو من ناحية الخلق.
   لكن الإشراف على ذلك النشاط بشكل عام ظل مناطاً بمكتب الطلبة والشباب القومي في القيادة القومية لحزب البعث. ولأني كنت مسؤولاً بالأصل عن قسم المنظمات الطلابية خارج العراق فقد تقرر أن أكون مسؤولاً أيضاً عن متابعة شؤون هذا المؤتمر وتوفير احتياجات عقده وذلك بالتنسيق مع المرحوم كمال فاخوري مدير المكتب الذي كان له فضل تفعيل العمل الطلابي العربي بما يخص عموم الساحة العربية أو في بقية الساحات الدولية ذات الكثافة الطلابية العربية المؤهلة لإحتضان نشاط نقابي كذلك الذي تصاعد في عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي.
ونظراً لأهميته فقد تقرر أن ينعقد المؤتمر برعاية رئيس الجمهورية صدام حسين الذي أناب لإفتتاحه نائبه في رئاسة الوزراء ووزير خارجيته السيد طارق عزيز. وبعد انتظار لم يطل جاء من يخبرنا أن عزيز على أبواب أن يصل إلى بوابة المستنصرية فتهيأت لغرض استقباله مع عددٍ من أعضاء المكتب التنفيذي الذين كان في مقدمتهم رئيس الإتحاد الوطني الأخ محمد دبدب والأخوة الأعضاء في المكتب طاهر البكاء وهشام محمد ثامر وخولة لفتة ومحمد حسن. غير أن خالد الذكر المرحوم كمال فاخوري سرعان ما لفت انتباهي إلى حقيقة أن المؤتمر ينعقد برعاية من الاتحاد الوطني لطلبة العراق وأن السياقات الرسمية تقتضي أن تكون قيادة الاتحاد هي من يقوم بمهمة الإستقبال, واقترح عليّ البقاء معه في القاعة بوصفنا ممثلين عن الحزب ولا نحمل صفة رسمية أو نقابية تمنحنا أو تفرض علينا المشاركة في مهمة الإستقبال, فرأيت أن رأيه هو الصواب.
لقد كنت من المعجبين حقاً بالمرحوم فاخوري الذي كان بالإضافة إلى تجربته الطويلة وخبرته في العمل النقابي والسياسي ذا عقلية متفتحة تعلمت منها الكثير, وكنت حريصاً أثناء عملي معه على أن ألتقط الكثير من خبرته سواء على صعيد المعلومة الذكية أو على صعيد التعامل السياسي المتحضر.
صحيح إن خبرتي في العمل الطلابي لم تكن بالقليلة, إذ تهيأ لي ان أكون مسؤولاً عن تنظيم الإتحاد الوطني في كلية طب الأسنان للفترة التي سبقت هيمنة الحزب على السلطة في أعقاب الإنقلاب الذي اطاح بنظام الرئيس عبدالرحمن عارف عام 1968, وكانت تلك الفترة حافلة بنشاط طلابي بعثي مكثف في مواجهة تظيمات طلابية متعددة يتقدمهم الشيوعيون والبعثيون الموالون للتنظيم البعثي السوري الذين تسموا باليسار, ونظراً للدور الذي قام به إتحادنا في القاطع الطبي فقد اختارني الحزب بعدها كأحد تسعة أعضاء في أول مكتب تنفيذي للإتحاد الوطني لعموم طلبة العراق الذي أُعلِن بعد نجاح عملية الإطاحة بالرئيس عارف.
إن أهم ما يمكن ذكره في تلك المرحلة هو محاولتنا احباط الإضراب الطلابي في جامعة بغداد الذي قاده تحالف ضم الشيوعيين وبعثيي التنظيم الموالي للقيادة السورية. وقد تأسس عملنا ذاك على قناعة كانت تفيد أن التحالف الشيوعي مع بعثيي سوريا قد عقد النية على تكرار تجربة الإضراب الطلابي الذي قاده البعثيون في عام 1963 والذي هيأ المناخ الملائم لاسقاط نظام الزعيم عبدالكريم قاسم في الثامن من شباط من العام نفسه, ولذلك تقرر إفشال ذلك الإضراب ليس حباً بنظام عارف وإنما لغرض إفشال المخطط الثنائي الإستباقي الرامي إلى الهيمنة على السلطة.
وسوف أترك الحديث عن تلك المشاهد المفصلية لتوقفات أخرى لغرض ان لا تأخذني تفاصيلها الهامة بعيداً عن الموضوعة الأساسية مثار الحديث والتي تأتي هنا تحت عنوان (يوم المستنصرية الدامي).

       محاولة اغتيال طارق عزيز *      في انتظار السيد طارق عزيز ممثل رئيس الجمهورية المكلف بافتتاح مؤتمر الطلبة الآسيويين قضينا أكثر من ساعة بعد معرفتنا بخبر وصوله إلى بوابة المستنصرية, واعتقدنا وقتها أن الرجل ربما كان قد بدأ زيارته باللقاء على فنجان قهوة في غرفة رئيس الجامعة الدكتور هاشم جابر الذي أعرف جيداً أنه لن يضيع فرصة اللقاء دون الحصول على مكاسب تفيد عمله وجامعته.
بدأ الوقت يثقل الخطى ولاح القلق في النفوس وبدت الحيرة على الوجوه ولم يكن سهلاً العثور على تفسير لمعرفة السبب الحقيقي للتأخير من داخل قاعة المؤتمر التي أحكم رجال الأمن إغلاقها فلم تعد هناك قدرة على التواصل مع خارجها.
لكننا لم نترك لعقارب الساعة فرصة أن تتلاعب بأعصابنا أكثر مما فعلته حتى كأن مدير مكتب الطلبة والشباب في القيادة القومية الأستاذ كمال فاخوري قرأ ما يدور في ذهني فلم يقاوم رغبته في العثور على إجابة شافية, فهو في النهاية كان يتحمل مسؤولية متابعة شؤون المؤتمر مع الجهة المضيفة وهي المكتب التنفيذي للاتحاد الوطني لطلبة العراق الذي ذهب معظم أعضائه لاستقبال عزيز.
طلب المرحوم فاخوري من عضو القيادة القطرية للحزب السيد حكمت العزاوي الذي بدا مرتبكاً وشاحب الوجه ولا يملك قراراً بشان إفتتاح الجلسة أن يسعفه بتفسير. تشاور الرجلان قليلاً, بعدها همس فاخوري في أذني حتى لا يسمعه الجالسون إلى الجوار : لقد حدث أمرٌ رهيب. ثمة من ألقى بقنبلة يدوية لحظة وصول نائب رئيس الوزراء, ولقد جُرح الرجل مع عدد من أعضاء المكتب التنفيذي بضمنهم رئيس المكتب السيد محمد دبدب كما واستشهدت طالبة كانت تقف بالقرب من البوابة وهي المرحومة فريال.
وعرفت فيما بعد أن هناك شكوكاً تدور حول هوية منفذ العملية كونه قام بها بناء على أوامر صادرة من حزب الدعوة الذي لم يتأخر طويلاً فأعلن مسؤوليته عن تنفيذ تلك العملية الإرهابية, ومثله فعلت منظمة العمل الإسلامي.
وفيما بعد عرفنا أن من بين المصابين أيضاً أعضاء من المكتب التنفيذي الذين تواجدوا في بوابة الجامعة لغرض استقبال عزيز وكان من بينهم السادة طاهر البكاء وهشام محمد ثامر وخولة لفتة ومحمد حسن وطه الجبوري رئيس اللجنة الإتحادية في كلية الشريعة, وكانت إصابة مرافق ممثل رئيس الجمهورية صعبة إذ قلعت احدى عينيه تماماً.
وأما البريئة فريال المواطنة من محافظة كركوك والطالبة في جامعة الموصل فلقد جاء استشهادها وليداً لحظها العاثر, إذ لم تكن لها أية علاقة بالمؤتمر وصادف وجودها عند بوابة المستنصرية لغرض زيارة قريبتها الطالبة في جامعة المستنصرية. ودون أن تدري ودون أن تقصد صار اسمها أحد المفاتيح والعناوين الاساسية للحرب العراقية الإيرانية حيث اسرع صدام حسين مباشرة بعد محاولة الاغتيال إلى جامعة المستنصرية ليقسم في خطابه الموجه لجمع من الطلبة الذين احتشدوا حوله أن (مهر فريال غالي) وأن الجريمة لن تمر من دون ردٍ أقسم فيه بالثلاثة على أنه سيأتي سريعاً.
ومثلما فعلت الصدفة مع عاثرة الحظ الشهيدة فريال فإن الصدفة أيضاً أنقذت آخرين من خطر الموت أو الإصابة. بالنسبة لي كانت نصيحة المرحوم فاخوري بضرورة بقائي في القاعة بعد ان كنت عزمت أن أكون بين المستقبلين هو الذي ساهم بابعادي عن مكان الحادث. ومثلي أنقذ الحظ أيضاً عضوي المكتب التنفيذي السيدين مضر الملا وفهد الشكرة, حيث ذهب الأول بصحبة عضو القيادة القطرية حكمت العزاوي إلى قاعة المؤتمر بعد وصوله إلى بوابة الجامعة قبل السيد عزيز بدقائق وذهب الثاني بصحبة وزير التعليم العالي جاسم الركابي الذي وصلها أيضاً قبل التفجير بقليل.
ودعونا الآن نقرأ نَص ما كتبه لي الدكتور طاهر البكاء عن ذلك الحادث الإرهابي :
(مباشرة ً نقلتنا سيارة إسعاف تزامنَ وصولها قبيل وصول ممثل رئيس الجمهورية بدقيقة واحدة، وهي تقل احد أعضاء الوفود الأجنبية التي تعرضت إلى تسمم قبل ليلة وتلقت علاجاً في مدينة الطب، وجلبتها سيارة الاسعاف كي تحضر حفل الافتتاح، طلبتُ من سائق الاسعاف التوقف لحين نزول ممثل الرئيس, وكان هذا الطلب من حسن حظنا نحن المصابين بذلك الهجوم الغادر، إذ نَقلت تلك السيارة جميع المصابين، بشكل فوضوي، كنت في حينها بكامل وعيي، رغم النزيف الحاد، الذي جعلني أرتجف من شدة البرد، وذلك لفقدان جسمي كمية كبيرة من الدم. وفيما تمدّد طه الجبوري في أرضية سيارة الإسعاف، وكان مصاباً في رقبته، فنَزف كل دمه وتوفي قبل أن تصل سيارة الإسعاف إلى المستشفى)..
أما منفذ العملية (سمير رضا غلام) فقيل إنه كان عراقياً من (التبعية الإيرانية) وطالباً في كلية العلوم في الجامعة المستنصرية , وهناك من قال أنه نفذ العملية بإيعاز من الجهات العراقية سعياً لتهيئة الساحة العراقية وكسب الراي العام العربي والعالمي قبل شن الحرب ضد إيران.
وعن هذا الإدعاء سوف تتحدث الحلقة الرابعة من هذه المذكرات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*في ضيافة المدافع .. مذكرات الأيام الساخنة (3)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى